أفق بعيد
سيف الدين خواجة
كلمة «الفريك القومي» استعملها الناقد المصري فايز حلاوة يوم أن مسح بالفريق القومي المصري الأرض في هزيمته من تونس في السبعينيات، ولا توجد كلمة تليق بحال اتحادنا العام ولا حال فريقنا القومي غير كلمتي «فريك» و«فروك»، وكلاهما أقرب إلى المديدة باللبن، سواء مع العيش أو القرع، على الأقل عندنا في الشمال. ولا أحد أسوأ من تدني المسؤولية في بلادنا إلى مستوى هذه السيولة التي لم تمر بها بلادنا من قبل، كأننا فعلاً في زمن الانحطاط. ورغم كل ما كُتب عن بعثة فريقنا إلى الدوحة، إلا أنه لو كانت هناك دولة لتم تكوين لجنة تحقيق مع الاتحاد العام، ونُشرت نتائجها للناس والعقوبات المترتبة عليها، وإلا فعلى الدنيا السلام إذا كانت سمعة بلد تتمرغ في التراب من أجل السفر للخليج!!!
- للتأكيد على المفارقات، كتب الراحل عبد الله رجب عن بعثة الفريق القومي في أول الاستقلال، وقال إن رئيسها كان اللواء حمدنا الله قائد السلاح الطبي، والمدير الإداري ابن الذوات لاعب الهلال والحكم الدولي أبو العلا. وقال إن كل البعثة ذهبت بزي موحد، وهذه الصور عندي بالسودان، صورة تقشعر لها الأبدان، تحلف تقول مجلس الشيوخ والنواب، حاجة تملأ القلب بالفخر والاعتزاز. فما الذي أصابنا حتى تسيبنا لهذه الدرجة من الانحطاط؟!!
*** عام 2008 سافر صديقنا ابن الجزيرة حسن أبو محمد، شفاه الله وعافاه، إلى غانا لحضور نهائيات أمم أفريقيا، وكان منتخب 70 قد تم تكريمه فيها، فقلت لصديقنا: لاحظ الفرق بين جيل 70 وجيل 2008 لتعرف مدى المأساة التي حدثت في تحريف الشخصية السودانية، وإلى أي مدى وصلنا من السبهللية. وقلت له: بحكم العمر، ما يقتلني في اليوم ألف مرة هو هذا الانحدار. وذهب الرجل وعاد منبهراً بفريق 70، وقال لي: والله فعلاً مفارقة كبيرة جداً وانحدار مريع، فرق الليل من النهار، بل بين المشرقين لا مقارنة مطلقاً. فعلاً كنا شعباً ودولة في القمة في كل شيء. والمؤسف أن كل هذا يحدث ولا تُشكل لجنة تحقيق واحدة، ولا تصدر أي عقوبات، ومن أمن العقاب ساء الأدب، ولا حياة لمن تنادي، كأنك تؤذن في مالطا التي أذّن فيها المسرحي البارع الفكي عبد الرحمن عام 1953 بمكارها منحة إلى لندن ولم يسمعه أحد!!!
*** للتأكيد على مدى المفارقات، كنت موظفاً صغيراً في الخدمة المدنية في السبعينيات، وكان من ضمن عهدتي طوابع بريد بحدود ثلاثة جنيهات. هذه العهدة، في كل آخر شهر، أرسل راجعاً بها إلى الرئاسة، محدداً الصرف من كل فئة، والرصيد، وعناوين الصرف. وإذا صدف وتأخرت لأكثر من يوم أو عشرة أيام في الشهر القادم، مباشرة يأتيني استفسار: لماذا تأخرت؟ وإذا لم يكن السبب مقنعاً فالعقاب مباشرة بالخصم، رغم أنني لم أتأخر مطلقاً ولا مرة. وكان الرد دائماً أن التموين لم يكتمل لإقفال العهدة. فقط ثلاثة جنيهات فيها حساب وعقاب. فما الذي جرى في بلادنا حتى انحدرنا إلى هذا المستوى من عدم تقدير الوطن وعدم تقدير المسؤولية؟ أيها الناس أفيقوا، نحن في آخر المراحل من الحياة، إما أن نكون أو لا نكون!!!
*** إلى متى يتبهدل الوطن في بعثاته كلها بهذا المستوى دون أدنى تحقيق أو عقوبات؟ إضافة إلى سوء تصرف بعض البعثات وما يتسرب منها من تصرفات وسلوكيات لم نعهدها في أجيالنا السابقة، ولم نتعود عليها، بل صارت سبة علينا. إذا كان الفريق غير جاهز، فالاعتذار أولى وأوجب من هذه الفضائح والتسريبات التي تتوالى هنا وهناك، ولا داعي لتكرارها، فقد بلغ السيل الزبى!!!













