من قضية هشام جنية إلى النخبة.. قراءة في تاريخ النزاعات القانونية للأحمر
الشكوى خطة بديلة بعد صافرة النهاية
بطولات المكاتب لا تصنع أمجاد الملاعب
هل تتكرر قصة 2018 في النخبة؟
عبدالمنعم هلال ـ آكشن سبورت
ـ المريخ، عندما يعجز عن مجاراة الهلال داخل الملعب، يتجه إلى البحث عن الفوز داخل المكتب واللجوء إلى الشكاوى عقب كل هزيمة مؤلمة، بحثاً عن بطولة (ملح) بعد ضياعها على أرض الملعب.
ـ قضية دوري 2018، النموذج الأشهر والأكثر إثارة للجدل، تمثل اللبنة الأساسية في بناء ظاهرة (بطولات الشكاوى) عند المريخ.
ـ خسر المريخ مباراته أمام مريخ الفاشر في آخر جولة من الدوري السوداني موسم 2018، وهو ما مهد للهلال طريق التتويج باللقب. وتم تتويج الهلال فعلاً واحتفل لاعبوه وجهازهم الفني باللقب، لكنه أصبح احتفالاً مؤجلاً لأن المريخ تقدم بشكوى بشأن عدم قانونية مشاركة اللاعب هشام جنية.
وكان نادي المريخ قد تقدم بشكوى ضد نادي مريخ الفاشر بشأن عدم صحة مشاركة لاعب الأخير هشام جنية في المباراة، بحجة أنه كسر إيقافه ليشارك في تلك المباراة، وطالب حينها بمنحه نقاط المباراة. لكن اللجنة المنظمة بالاتحاد السوداني رفضت الشكوى، فقدم النادي الأحمر شكوى إلى محكمة التحكيم الرياضية الدولية (كاس) في 18 أكتوبر 2018، واستمرت المداولات 14 شهراً قبل أن يظهر القرار الملزم من المحكمة، والذي قضى باعتبار المريخ بطلاً للدوري. وحملت (كاس) الاتحاد السوداني نسبة 90% من أتعاب القضية، بينما حملت المريخ 10%، كما ألزمت الاتحاد المحلي بدفع ألفي فرنك سويسري لنادي المريخ.
ـ دخل لقب الدوري الممتاز 2018 تاريخ الكرة السودانية، وبقي السؤال الأخير والدائم: هل كان مجلس إدارة مريخ الفاشر والمدير الفني للفريق وقتها ومدير الكرة على علم بأن هشام جنية موقوف لعدد من المباريات قبل أن يضعوه في قائمة الـ18 ثم يتم الدفع به بديلاً أمام المريخ الذي كان خاسراً؟ هذا السؤال وحده يفتح باباً لتساؤلات أعمق حول طبيعة هذه (المصادفات) الكروية.
شكاوى خارجية
ـ وأيضاً تقدم المريخ بشكوى ضد الترجي التونسي في دوري أبطال أفريقيا 2023. فلم يقتصر النمط على الساحة المحلية، بل امتد ليطال البطولات القارية. وكانت هذه الشكوى عقب خسارة المريخ أمام الترجي التونسي في افتتاحية مباريات الفريقين ضمن منافسات المجموعة الرابعة من دوري أبطال أفريقيا. وسقط المريخ على ملعب حمادي العقربي برادس بنتيجة 0-1، ليسارع مسؤولو النادي السوداني بالتقدم بشكوى رسمية تتهم الترجي بمخالفة قانون فرص التبديل خلال المباراة، مطالباً (كاف) باحتساب نتيجة المباراة لصالحه بسبب إجراء الفريق التونسي خمسة تبديلات في أربع توقفات، وهو ما اعتبره مخالفاً للقانون. وكانت النتيجة رفض (كاف) الشكوى، فجاء الرد الأفريقي صارماً ومسقطاً لهذه المحاولة.
تزوير جنسيات
ـ شكوى ضد الهلال في دوري أبطال أفريقيا 2022 بدعوى تزوير الجنسيات، فقد قدم مدثر خيري شكوى ضد الهلال بداعي قيام الأخير بتزوير جنسيات عدد من لاعبيه وتجاوز العدد المسموح به من اللاعبين من خارج السودان. وأكد مصدر في الاتحاد الأفريقي أن الشكوى تم تقديمها إلى (كاف) يوم 13 سبتمبر 2022، وتتعلق بمخالفة الهلال لمعايير قانونية ورياضية في ملف التراخيص الذي قدمه إلى الاتحاد السوداني للمشاركة في دوري الأبطال. وكانت النتيجة أن (كاف) لم يرد على الشكوى أصلاً، في إشارة إلى عدم جديتها أو استيفائها للمعايير اللازمة.
ـ شكوى ضد مريخ الأبيض 2025، فقد قررت اللجنة المنظمة للمسابقات بالاتحاد السوداني قبول شكوى المريخ الخرطوم ضد المريخ الأبيض، واعتبرت مريخ الأبيض مهزوماً 3/صفر بعد أن قُدمت الشكوى داخل القيد الزمني، وتقدم نادي المريخ الخرطوم بشكوى بشأن عدم صحة تسجيل لاعب نادي مريخ الأبيض محمد الطيب محمد.
الاحتجاج الأحدث
ـ الشكوى الأحدث في دوري النخبة 2026 بعد هدف (القاصر) فلومو وملف لاعبي الهلال المجنسين، وهذه هي القضية الراهنة التي تشعل الرأي العام الرياضي السوداني الآن.
ـ تُوج الهلال بطلاً لدوري النخبة السوداني الممتاز عقب فوزه المثير على غريمه المريخ بهدف دون رد على ملعب استاد الخرطوم، محققاً العلامة الكاملة بـ21 نقطة دون هزيمة أو تعادل. وما إن انتهت الصفارة حتى انطلقت آلة الشكاوى من جديد، و(الخلى عادتو قلت سعادتو)، فقد تقدم مجلس إدارة نادي المريخ بشكوى رسمية ضد غريمه الهلال بدعوى إشراكه أكثر من خمسة لاعبين أجانب في مباراة القمة.
وشارك مع الفرقة الزرقاء كل من الكونغولي إرنست لوزولو، والموريتاني أحمد سالم، والبوروندي جان كلود، والناميبي أبروشيس بيتروس، والسنغالي عثماني ديوف، والنيجيري صنداي، والغاني مامادو قمرديني، والليبيري إيمانويل فلومو، وبينهم لاعبون حاصلون على الجنسية السودانية. ومع ذلك، لم يكن هناك أثناء سير المباراة أكثر من خمسة لاعبين أجانب داخل الملعب في صفوف الهلال.
ويأتي تحرك المريخ في توقيت بالغ الحساسية، وذلك بعد أشهر من الجدل المتواصل حول مشاركة عدد من لاعبي الهلال الأجانب بصفة لاعبين سودانيين.
الإيقاع يتكرر
ـ شكاوى المريخ المتكررة تكشف منهجية ممنهجة، فالشكوى تعقب الهزيمة دائماً. وفي كل الحالات الموثقة أعلاه يتكرر الإيقاع نفسه: المريخ يخسر في الملعب ثم يتقدم فوراً بشكوى. النتيجة على أرض الميدان لا تُقبل، فيبحث عنها في أورقة المكاتب.
ـ توقيت الشكوى استراتيجي، فالمريخ لا يقدم شكاواه في بداية المسابقة حين يكون موضع الإشكال حاضراً للعيان، بل ينتظر حتى تأتي النتيجة عكس ما يشتهي، ثم يعمل على تقديم الشكوى لامتصاص غضب جماهيره وتسويق المبررات والتقليل من قيمة الانتصار عليه.
ـ واضح من قضية 2018 وطبخة موضوع اللاعب جنية أن الاتحاد السوداني رفض الشكوى ابتداءً، إلا أن المريخ صعد إلى (كاس) وكسبها، وهذا يكشف استعداداً للاستثمار المالي والقانوني في سبيل انتزاع اللقب بطريق غير ميداني.
ـ امتداد الظاهرة لتشمل بطولات أفريقية، كالشكوى ضد الترجي وضد الهلال في (كاف)، يكشف أن الأمر سياسة ممنهجة وليس رد فعل عاطفياً عشوائياً.
ـ هل يكسب المريخ شكوى 2026 وينال كأس النخبة من المكاتب بعد أربعة أعوام عجاف؟ المؤشرات الأولية توحي بصعوبة ذلك لأسباب موضوعية:
أولاً: ملف تجنيس اللاعبين الأجانب في كرة القدم السودانية ليس جديداً، والاتحاد السوداني هو من أجاز هذه التجنيسات ابتداءً، ولو كانت مخالفة لما سمح بها في أول الموسم.
ثانياً: الهلال حسم اللقب داخل الملعب بأفضلية عدد الانتصارات، حيث فاز في جميع المباريات، وعزز رقمه القياسي في الفوز ببطولة الدوري الممتاز بفارق كبير عن المريخ.
ثالثاً: سبق لـ(كاف) أن أسقط شكوى مماثلة للمريخ ضد الهلال في 2022 تتعلق بملف الجنسيات نفسه، ومن المستبعد أن تختلف النتيجة هذه المرة.
رابعاً: إذا كانت مشاركة هؤلاء اللاعبين مخالفة للقانون، فلماذا صمت المريخ طوال الموسم وتقدم بشكواه فقط بعد إعلان الهلال بطلاً؟
ـ المريخ دائماً يعمل بنهج يجعل الشكوى أداة موازية للملعب. ولعل الأسوأ ليس الشكاوى في حد ذاتها، فحق التقاضي مكفول للجميع، بل توقيتها الانتهازي الذي يكشف عن غياب ثقة الإدارة بقدرات لاعبيها وتفضيل (البطولة الورقية) على (البطولة الميدانية).
ـ البطولة التي تُنتزع بقرار محكمة بعد هزيمة على أرض الملعب تبقى في سجل الأرقام، لكنها لا تسكن القلوب. والجماهير الكروية العظيمة، وجماهير المريخ من بينها، تستحق أن تحتفل ببطولة شُق طريقها بالعرق والكفاح، لا بلغة القانون والاستئناف.
ـ يا كبسور… روق.












