مواقف وسوالف
خالد الضبياني
تترك الحروب آثاراً عميقة لا تقتصر على الدمار المادي وفقدان الأرواح والممتلكات بل تمتد لتصيب النسيج الاجتماعي وتزرع الشكوك والعداوات بين أبناء الوطن الواحد. وعندما تضع الحرب أوزارها ويبدأ الناس رحلة العودة إلى ديارهم يصبح السؤال الأهم كيف يمكن بناء مجتمع آمن ومستقر بعد سنوات من الصراع؟ الإجابة تبدأ من ثقافة التسامح التعايش فهما الأساس الذي تُبنى عليه المجتمعات المتماسكة والقادرة على تجاوز آلام الماضي والانطلاق نحو المستقبل. فالحرب مهما كانت أسبابها ونتائجها لا ينبغي أن تتحول إلى إرث دائم من الكراهية والانتقام لأن استمرار الأحقاد يعني استمرار الحرب بأشكال أخرى حتى توقفت أصوات البنادق.إن مرحلة ما بعد الحرب تتطلب من الجميع التحلي بالحكمة وتغليب المصلحة العامة على الرغبات الشخصية. فالوطن لا يُبنى بالثأر وإنما يُبنى بالتعاون والتسامح وقبول الآخر. والتسامح هنا لا يعني نسيان الحقوق أو التنازل عنها بل يعني رفض تحويل الخلافات إلى صراعات جديدة تهدد السلم الاجتماعي وتعرقل جهود التعافي وإعادة البناء.كما أن التعايش السلمي بين مختلف المكونات الاجتماعية والثقافية يمثل ضمانة حقيقية للاستقرار. فالتنوع الذي كان سبباً في قوة المجتمع قبل الحرب يجب أن يعود ليكون مصدر ثراء وإبداع لا سبباً للفرقة والانقسام. وكلما نجح الناس في تجاوز التصنيفات الضيقة والانتماءات المحدودة اقتربوا أكثر من بناء وطن يسع الجميع.وتقع على عاتق الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام والمؤسسات الدينية والثقافية مسؤولية كبيرة في نشر قيم التسامح والتعايش. فإعادة إعمار المباني قد تستغرق سنوات أما إعادة إعمار النفوس فتحتاج إلى جهود متواصلة وخطاب مسؤول يعزز روح المحبة والاحترام المتبادل.إن المجتمعات التي استطاعت النهوض بعد الحروب لم تحقق ذلك بالقوة وحدها بل نجحت لأنها آمنت بأن السلام الحقيقي يبدأ من داخل الإنسان وأن الأمن المستدام لا يتحقق إلا عندما يشعر الجميع بأنهم شركاء في الوطن والمصير.وفي النهاية، فإن العودة من النزوح ليست مجرد انتقال من مكان إلى آخر بل هي فرصة تاريخية لفتح صفحة جديدة صفحة عنوانها التسامح والتعايش والعمل المشترك. فبقدر ما ننجح في ترسيخ هذه القيم ننجح في بناء مجتمع آمن ومستقر وقادر على مواجهة تحديات المستقبل بثقة وأمل.











