محمد عيسى .. رحلة فنية حافلة بالتحديات والنجاحات والأحلام الكبيرة




كمال ترباس من أقرب الفنانين إلى قلبي
تجربة سودانية مصرية سترى النور قريباً
المنافسة بين الفنانين الشباب مطلوبة بشروطها الفنية
الحلة الجديدة والقوز صنعتا ملامح شخصيتي الفنية
الإذاعة السودانية كانت نقطة التحول الأهم في حياتي
أستعد لطرح أعمال خاصة جديدة خلال الفترة المقبلة
أنا رياضي والهلال والمريخ عينان في رأس
غنيت للجيش وشاركت في مبادرات التكايا والعمل الإنساني
أحلم بعالمية الأغنية السودانية
إبراهيم عوض ـ آكشن سبورت
يُعد الفنان محمد عيسى «الدبلوماسي» واحداً من الأصوات السودانية التي استطاعت أن تفرض حضورها على الساحة الفنية من خلال تجربة امتدت لسنوات، مستندة إلى موهبة مبكرة وصقل مستمر للتجربة الفنية. وخلال زيارة خاصة لمقر صحيفة «آكشن سبورت»، تحدث الدبلوماسي عن بداياته الأولى في أحياء الخرطوم العريقة، والدور الكبير الذي لعبه المعلمون والأصدقاء والأسرة في اكتشاف موهبته ودعمه في مشواره الفني. كما استعرض أبرز المحطات التي شكّلت مسيرته، بدءاً من إجازة الصوت مروراً بالإذاعة السودانية واتحاد المهن الموسيقية، وصولاً إلى رؤيته لمستقبل الأغنية السودانية ومشاريعه الفنية المقبلة. وفيما يلي الجزء الأول من الحوار.
في البداية نرحب بك في آكشن سبورت، ماذا تمثل لك هذه الزيارة؟
أود أن أعبر عن سعادتي الكبيرة بزيارة صحيفة «آكشن سبورت»، وهي صحيفة مميزة استطاعت أن تفرض نفسها في الساحة الإعلامية. كما أحيي مجلس إدارتها بقيادة المهندس محمد الشيخ، وأشكرك انت اخي إبراهيم عوض على هذه الفرصة الكريمة، وأنا سعيد بالإجابة عن جميع الأسئلة المطروحة في هذا الحوار.
كيف كانت بداياتك الأولى مع الفن؟
أشعر بأنني محظوظ جداً لأن بداياتي كانت في بيئة تحتفي بالفن والرياضة والثقافة. فقد نشأت في الحلة الجديدة والقوز، وهما من أعرق أحياء الخرطوم وأكثرها حراكاً وإبداعاً. تلك المنطقة كانت تمثل بوتقة تجمع الفنانين والإعلاميين والرياضيين والمثقفين، ولذلك كان من الطبيعي أن أتأثر بكل هذا الزخم.
بدأت ملامح الموهبة تظهر منذ المرحلة الابتدائية بمدرسة الخرطوم النموذجية بالحلة الجديدة، وهناك وجدت تشجيعاً كبيراً من عدد من المعلمين الذين آمنوا بموهبتي. وأذكر منهم الأستاذ الراحل حيات فرح، رحمه الله، الذي كان من أوائل من شجعوني ولفتوا انتباهي إلى أهمية تطوير الموهبة. كما تعلمت الكثير من عدد من الأساتذة الذين كان لهم دور مهم في بناء شخصيتي الفنية والإنسانية.
متى شعرت بأن الانطلاقة الحقيقية بدأت؟
أعتقد أن الانطلاقة الحقيقية بدأت خلال المرحلة الثانوية في الخرطوم التجارية. في تلك الفترة وجدت دعماً كبيراً من أبناء الحي ومن زملائي الطلاب. كانوا دائماً يدفعونني للمشاركة في الجمعيات الأدبية والمناسبات المدرسية والأنشطة الثقافية.
أبناء الحلة الجديدة والقوز كانوا يفخرون بي ويحرصون على مشاركتي في مختلف المناسبات الاجتماعية والثقافية، وهذا منحني ثقة كبيرة في نفسي. كما أن الأصدقاء كانوا يحيطونني بالتشجيع والدعم المستمر، وهو أمر لا يمكن أن أنساه مهما تقدمت السنوات.
ما أبرز المحطات التي شكلت مسيرتك الفنية؟
هناك محطات كثيرة ومهمة في مسيرتي، لكن أبرزها كانت مرحلة الاحتراف الحقيقي للفن. بعد ذلك اتجهت إلى إجازة الصوت عبر عدة مراحل، كانت بدايتها من خلال نادي الخرطوم جنوب، حيث خضعت لاختبارات واجتزتها بنجاح.
بعدها جاءت المحطة الأهم وهي الإذاعة السودانية، حيث اجتزت لجنة الأصوات بنجاح كامل، وكانت لجنة تضم أسماء كبيرة وخبرات فنية عظيمة. تلك المرحلة شكلت نقطة تحول حقيقية في حياتي، لأن الإذاعة السودانية كانت ولا تزال مؤسسة عريقة تمثل صوت الأمة السودانية.
ومن بعدها التحقت باتحاد المهن الموسيقية، وحصلت على العضوية الرسمية، وأصبحت واحداً من الفنانين الشباب المنتمين للاتحاد، وهو أمر أفتخر به كثيراً.
من أول شخص وقف إلى جانبك في البدايات؟
أول شخص وقف معي بصورة مباشرة وكان قريباً جداً من تجربتي هو الأخ العزيز ياسر منصور، المعروف بـ«ياسر كجرة». كان من أكثر الناس دعماً وتشجيعاً لي في بداياتي، ووجدت منه مؤازرة كبيرة ساعدتني على الاستمرار في الطريق الفني.
هل واجهت صعوبات في بداية الطريق؟
بالتأكيد لم تكن البداية سهلة تماماً، لكنها أيضاً لم تكن مستحيلة. أي إنسان يمتلك الإرادة يستطيع أن يتجاوز العقبات مهما كانت كبيرة. واجهت بعض التحديات، لكنني وجدت دعماً كبيراً من إخوتي الكبار الذين كانوا مؤمنين بموهبتي.
والدي، رحمه الله، كان حريصاً على مستقبلي الأكاديمي أكثر من أي شيء آخر، ولذلك كان يتابع دراستي باهتمام شديد، لكن مع مرور الوقت أصبحت الأسرة أكثر تفهماً لاختياري الفني. وقد كان لذلك أثر كبير في مواصلة المشوار حتى الوصول إلى هذه المرحلة.
كيف تنظر إلى الحفلات الجماهيرية؟
الحفلات الجماهيرية تمثل بالنسبة للفنان الاختبار الحقيقي، لأنها تقوم على العلاقة المباشرة بين الفنان وجمهوره. عندما يقف الفنان أمام الناس ويجدهم يتفاعلون مع أعماله ويرددون أغنياته، فإنه يشعر بأن ما يقدمه وصل بالفعل إلى قلوبهم.
أنا دائماً أتمنى أن أقدم أعمالاً ذات قيمة، أعمالاً تعيش مع الناس وتلامس وجدانهم، لأن الأغنية الناجحة هي التي تبقى في ذاكرة الجمهور لسنوات طويلة.
تجربتك مع موسم الرياض هل اضافت اليك؟
أولاً أحيي المملكة العربية السعودية على الجهد الكبير الذي بذلته في تنظيم موسم الرياض، والذي أصبح حدثاً ثقافياً وفنياً عالمياً بكل المقاييس.
بالنسبة لنا كسودانيين، جاءت هذه المواسم في ظروف استثنائية مرت بها بلادنا، ولذلك مثلت متنفساً مهماً للفنانين والجمهور على حد سواء. سعدت بالمشاركة في أكثر من فعالية ضمن موسم الرياض، كما شاركت في المنطقة الشرقية والدمام، وكانت تجربة ثرية أضافت لي الكثير على المستوى الفني والإنساني.
تعرفت على ثقافات مختلفة وجماهير متنوعة، كما وجدت ترحيباً كبيراً من الشعب السعودي المعروف بحبه للفن السوداني واحتفائه بالمبدعين السودانيين.
هل هناك فارق بين الجمهور السوداني في الداخل والخارج؟
الجمهور السوداني في الخارج هو نفسه الجمهور السوداني في الداخل. قد تختلف الأماكن والبلدان، لكن الذائقة الفنية والمحبة للفن السوداني تظل كما هي.
السوداني بطبيعته إنسان محب للفن ويقدر الكلمة الجميلة واللحن الجميل، ولذلك تقع على عاتق الفنان مسؤولية كبيرة في تقديم أعمال تليق بهذا الجمهور الواعي والذواق.
معروف عنك بإعادة تقديم أغنيات كبار الفنانين، ماذا عن الأغنيات الخاصة؟
أنا سعيد جداً عندما يشيد الناس بأدائي لأغنيات الرواد، لكنني أؤمن بأن الأغنية الخاصة هي البصمة الحقيقية لأي فنان. الأغنية الخاصة تشبه الابن بالنسبة لصاحبها، لأنها تحمل شخصيته ورؤيته وأحاسيسه.
ولذلك أعمل باستمرار على إنتاج أعمال خاصة جديدة، ولدي حالياً مجموعة كبيرة من الأغنيات التي سترى النور قريباً. وأستطيع أن أؤكد أن الفترة المقبلة ستشهد طرح عدد كبير من الأعمال الجديدة، وسيكون النصيب الأكبر منها للأغنيات الخاصة التي أراهن عليها كثيراً.
ما مواصفات الأغنية الناجحة في رأيك؟
الأغنية الناجحة هي التي تستطيع الوصول إلى وجدان الناس والتأثير فيهم. فإذا استطعت أن توصل رسالتك إلى الجمهور فأنت بالتأكيد حققت النجاح. وأرى أن الأغنية تقوم على ثلاثة عناصر أساسية: الكلمة الجيدة، واللحن الجميل، والأداء المقنع.
وأقول دائماً إنه لا توجد أغنية هابطة بقدر ما يوجد أداء هابط. فقد تكون الكلمات جميلة واللحن رائعاً، لكن الأداء الضعيف يفقد العمل قيمته وتأثيره. أما عندما يكون الأداء صادقاً ومقنعاً فإنه يرفع من قيمة الكلمة واللحن معاً ويمنحهما الحياة.
كيف تصف علاقتك بالفنانين الشباب؟
علاقتي بجميع الفنانين الشباب قائمة على الاحترام والمحبة والتقدير. لا أفرق بين فنان وآخر، وأتمنى الخير للجميع، لأن نجاح أي فنان سوداني يمثل إضافة للساحة الفنية كلها.
أرى أن المسؤولية تقع علينا جميعاً في المحافظة على تاريخ الفن السوداني واحترام إرث الرواد الذين صنعوا هذه المسيرة العظيمة. علينا أن نقدم أعمالاً تليق باسم السودان وبمكانة الفن السوداني، وأن نكون قدوة في السلوك قبل الفن.
ومن الفنان الأقرب إليك من الرواد؟
الفنانون الكبار لهم جميعاً مكانة خاصة في نفسي، وواجبنا تجاههم الاحترام والتقدير. هناك أسماء كثيرة تعلمنا منها واستفدنا من تجاربها، لكن الأستاذ كمال ترباس يظل من أقرب الفنانين إلى قلبي، وتربطني به علاقة مميزة جداً.
وأدعو له دائماً بالصحة والعافية وطول العمر، فهو مدرسة فنية كبيرة وصاحب تجربة ثرية تركت أثراً واضحاً في مسيرة الأغنية السودانية.
ماذا عن جديدك الفني خلال الفترة المقبلة؟
هناك عدد من الأعمال الجديدة التي أعمل عليها حالياً مع مجموعة من الشعراء والملحنين. أتعاون مع الشاعر والملحن أمجد حمزة، وكذلك مع الشاعر الشاب ياسر عباس، إضافة إلى أعمال أخرى مع أسماء معروفة ومميزة في الساحة الفنية.
كما أن هناك تعاونا جديدا مع عدد من الشعراء والملحنين الذين أعتز كثيراً بتجاربهم، وأتمنى أن تجد هذه الأعمال القبول والرضا لدى الجمهور عند طرحها.
سمعنا عن تعاون مع شعراء كبار؟
نعم، هناك أعمال جديدة مع أسماء كبيرة ومؤثرة في الساحة الفنية. وأعتبر ذلك إضافة مهمة بالنسبة لي، لأن التعامل مع أصحاب التجارب الكبيرة يمنح الفنان فرصة للاستفادة والتطور وتقديم أعمال ذات قيمة فنية عالية.
ماذا عن التعاون السوداني المصري الذي أشرت إليه؟
هناك بالفعل تجربة سودانية مصرية جديدة يجري العمل عليها حالياً مع فنان مصري معروف وصاحب جماهيرية كبيرة، ونتطلع إلى أن تكون تجربة مميزة تجمع بين الشعبين الشقيقين وتعكس عمق العلاقات الثقافية والفنية بين السودان ومصر.
وأتمنى أن تنال هذه التجربة رضا الجمهور عند طرحها خلال الفترة المقبلة.
المنافسة بين الفنانين الشباب كيف تنظر إليها ؟
المنافسة موجودة وطبيعية جداً بين الفنانين الشباب، بل إنها مطلوبة لأنها تسهم في تطوير الأداء وتقديم الأفضل للجمهور. لكن المهم أن تظل هذه المنافسة في إطار الفن والاحترام والكلمة الجميلة واللحن الجيد.
نحن لا نريد منافسة تقوم على الصراعات أو الخلافات الشخصية، بل نريدها منافسة إبداعية تصب في مصلحة الفن السوداني وتدفع به إلى الأمام.
ما علاقتك بالرياضة؟
“أنا رياضي في المقام الأول، وأؤمن بأن الهلال والمريخ عينان في رأس واحدة. التنافس بينهما هو الذي يمنح الرياضة السودانية جمالها وقيمتها، وما يجمع أبناء الناديين أكبر بكثير مما يفرقهم. لذلك أتمنى دائماً أن يكون التنافس داخل المستطيل الأخضر فقط، وأن تبقى العلاقات الاجتماعية والمحبة والاحترام متبادلة بين الجميع.”
ما النصيحة التي توجهها للفنانين الشباب؟
أنصح كل فنان شاب بأن يتحلى بالإرادة والصبر وألا يستسلم للظروف مهما كانت صعبة. الإرادة القوية هي مفتاح النجاح في أي مجال.
كما أنصحهم بالاجتهاد المستمر واحترام الجمهور واحترام الفن نفسه، لأن النجاح لا يأتي بالصدفة وإنما بالعمل المتواصل والإيمان بالهدف.
هل هناك مدارس فنية تأثرت بها؟
بالتأكيد. أنا من المعجبين بعدد كبير من المدارس الفنية السودانية، وعلى رأسها مدرسة الأستاذ عبد الكريم الكابلي، الذي أعتبره واحداً من أعظم الفنانين الذين أنجبتهم الساحة السودانية.
كما تأثرت كثيراً بتجربة الأستاذ زيدان إبراهيم وغيرهما من القامات الفنية الكبيرة التي قدمت للفن السوداني أعمالاً خالدة ستظل باقية في وجدان الناس.
وأتمنى أن نستفيد جميعاً من تلك المدارس العريقة وأن نواصل البناء على ما قدمته للأجيال اللاحقة.
إلى أي مدى نجح الفنانون الشباب في إثبات حضورهم خلال السنوات الأخيرة؟
أرى أن الساحة الفنية تشهد حراكاً كبيراً ونشاطاً ملحوظاً وسط الفنانين الشباب، وهذا أمر إيجابي ومبشر. الفرص متاحة أمام الجميع، والساحة تتسع لكل مجتهد ومبدع.
وأؤمن بأن الجمهور هو الحكم الحقيقي، وأن الفنان الذي يجتهد ويطور نفسه ويقدم أعمالاً محترمة سيجد مكانه الطبيعي وسيحقق النجاح الذي يستحقه












