رحلة متعددة المحطات بين العلم والمعرفة والإبداع وخدمة المجتمع



الجيولوجيا علمتني الدقة والإعلام منحني المنصة
الموهبة بداية الطريق والاحتراف يصنعه التأهيل
«جر بنمبرك» كانت بوابتي لفهم الجمهور
الثقافة ليست ترفًا بل جزء من هوية الشعوب
الموسيقى لغة تتجاوز الحدود وتصنع الجسور
العمل المؤسسي أساس نهضة الإعلام
لا أؤمن بحصر الإنسان في شغف واحد
ما زلت أرى أن القادم يحمل فرصًا أكبر للعطاء
محمد يوسف عبدالرحمن (ميدي) ـ آكشن سبورت
يُجسد المهندس الجيولوجي والإعلامي وعازف الأورغ مازن يس حسن يعقوب نموذجًا فريدًا لشخصية استطاعت الجمع بين مسارات تبدو متباعدة للوهلة الأولى؛ الهندسة والجيولوجيا من جهة، والإعلام والفن من جهة أخرى. وعلى امتداد سنوات من العمل المهني، نجح في بناء تجربة متعددة الأبعاد، صنعت منه اسمًا حاضرًا في مجالات العلم والإعلام والعمل الثقافي.
في هذا الحوار، يتحدث مازن عن رحلته الممتدة بين المشاريع الجيوتقنية الكبرى، والعمل الإعلامي والصحفي، وتجربته في التقديم وصناعة المحتوى، إلى جانب شغفه بالموسيقى وخدمة الوسط الفني السوداني.
بدايةً… من هو مازن يس حسن يعقوب بعيدًا عن الألقاب؟
أنا إنسان أؤمن بأن الحياة لا ينبغي أن تُختزل في مسار واحد فقط. أرى أن الإنسان قادر على أن يحمل أكثر من شغف، وأن يحول هذا التنوع إلى تجربة غنية ومؤثرة. ربما لهذا السبب لم أكتفِ بمجال واحد؛ فقد جمعت بين الجيولوجيا والهندسة والإعلام والفن والعمل المجتمعي، وأعتبر كل محطة من هذه المحطات جزءًا من رحلة واحدة هدفي منها أن أترك أثرًا نافعًا في حياة الناس.
كيف بدأت رحلتك المهنية في مجال الجيولوجيا والهندسة؟
كانت البداية من بوابة الجيولوجيا، وهو المجال الذي كرست له جزءًا كبيرًا من حياتي المهنية. عملت لأكثر من اثني عشر عامًا في قطاع الجيولوجيا والهندسة الجيوتقنية، وشاركت خلال هذه السنوات في العديد من المشاريع الهندسية والتنموية الكبرى.
هذا المجال علمني الكثير؛ الانضباط، التفكير التحليلي، والدقة في اتخاذ القرار. كما أتاح لي التدرج في مواقع المسؤولية حتى أصبحت أتولى إدارة مشاريع جيوتقنية متخصصة. كنت دائمًا أؤمن بأن المعرفة العلمية ليست مجرد تخصص مهني، بل أداة حقيقية للمساهمة في التنمية وبناء المستقبل.
رغم هذا المسار العلمي، كان الإعلام حاضرًا بقوة في حياتك… كيف بدأ ذلك؟
الإعلام كان حاضرًا في وجداني منذ وقت مبكر جدًا. كانت لدي رغبة حقيقية في التواصل مع الناس ومناقشة القضايا التي تمس المجتمع.
بدايتي الفعلية جاءت عبر منصات التواصل الاجتماعي، عندما أنشأت قناة على يوتيوب وقدمت من خلالها برنامج “جر بنمبرك”. كان البرنامج اجتماعيًا وتوعويًا، وركز على مناقشة قضايا مجتمعية مختلفة تمس حياة الناس بصورة مباشرة.
أردت أن يكون المحتوى قريبًا من الناس، بسيطًا في لغته، لكنه عميق في أثره ورسائله.
ماذا أضاف لك برنامج “جر بنمبرك”؟
منحني البرنامج فرصة حقيقية لفهم طبيعة الجمهور واحتياجاته. تعلمت كيف تُبنى الرسالة الإعلامية المؤثرة، وكيف يمكن للمحتوى أن يخلق نقاشًا مجتمعيًا إيجابيًا.
كما ساعدني على اكتشاف قدراتي في التقديم وصناعة المحتوى، وأكد لي أن الإعلام ليس مجرد شغف عابر، بل مسار أستطيع أن أطور نفسي فيه بصورة احترافية.
يبدو أنك تعاملت مع الإعلام كمهنة لا كهواية فقط؟
بالتأكيد. كنت مؤمنًا بأن الموهبة وحدها لا تكفي. لذلك حرصت على التأهيل العلمي والمهني في المجال الإعلامي.
حصلت على القيد الصحفي من اتحاد الإعلاميين الأفارقة، كما تلقيت دورات متخصصة في التحرير الصحفي وصحافة الموبايل.
هذه التجارب ساعدتني في صقل أدواتي المهنية، وفهم أعمق لآليات صناعة الخبر والمحتوى الإعلامي الحديث، خاصة في ظل التحولات الرقمية المتسارعة.
عملت أيضًا في الصحافة المتخصصة… حدثنا عن هذه التجربة؟
من التجارب المهمة في مسيرتي عملي مراسلًا لـ مجلة تعدين السعودية العالمية.
كانت تجربة مميزة لأنها جمعت بين تخصصي العلمي وشغفي بالإعلام. شاركت في تغطية العديد من الفعاليات والأنشطة المرتبطة بقطاع التعدين والصناعات ذات الصلة.
هذه التجربة منحتني بعدًا مهنيًا مختلفًا، لأنها جعلتني أترجم المعرفة العلمية إلى محتوى إعلامي مبسط ومفهوم للجمهور.
كيف انتقلت إلى تقديم الفعاليات والمناسبات على المسارح؟
بعد مرحلة الصحافة والتغطيات الميدانية، جاءت فرصة تقديم الفعاليات والمناسبات الثقافية والاجتماعية بمدينة الرياض.
العمل على المسرح تجربة مختلفة تمامًا عن العمل التلفزيوني أو الرقمي؛ فهو يتطلب حضورًا مباشرًا، وسرعة بديهة، وقدرة على إدارة الجمهور والتفاعل معه لحظة بلحظة.
أعتقد أن هذه التجربة طورت لدي مهارات الإلقاء والحضور والثقة بالنفس بدرجة كبيرة.
حدثنا عن تجربتك مع المنصات الإعلامية السودانية؟
خضت عدة تجارب مهمة في الإعلام السوداني. عملت مذيعًا ومقدم برامج بمنصة سودان نيوز، وكانت تجربة ثرية قربتني أكثر من قضايا الشأن السوداني.
لاحقًا انتقلت إلى إذاعة أيوا العالمية، حيث قدمت بودكاست “صوت السودان”، وهو برنامج ناقش قضايا الجالية السودانية إلى جانب موضوعات ثقافية واجتماعية متعددة.
هذا النوع من البرامج منحني مساحة أوسع للحوار العميق وطرح القضايا بشكل أكثر قربًا من الناس.
قدمت أيضًا برامج ذات طابع فني وثقافي… كيف تنظر لهذه التجربة؟
أعتبرها من أقرب التجارب إلى قلبي.
في برنامج “وتر سبعة” ركزنا على توثيق الأغنية السودانية، والبحث في القصص الإنسانية والإبداعية الكامنة خلف الأعمال الفنية.
ثم جاء برنامج “في الوجدان” ليأخذ منحى أعمق؛ حيث سعينا إلى استحضار الذاكرة الثقافية السودانية، والبحث في المعاني والقيم التي شكلت وجدان السودانيين عبر الأجيال.
أنا مؤمن بأن الثقافة ليست ترفًا، بل جزء أصيل من هوية الشعوب.
الفن حاضر بقوة في حياتك… متى بدأت علاقتك بالموسيقى؟
الموسيقى صاحبتني منذ سنوات طويلة، والعزف بالنسبة لي ليس مجرد ممارسة فنية، بل حالة وجدانية وروحية.
أمارس العزف على آلة الأورغ، وأؤمن بأن الموسيقى لغة عالمية قادرة على تجاوز الحدود وبناء الجسور بين البشر.
كما أرى أن الموسيقى تؤدي دورًا مهمًا في حفظ الذاكرة الثقافية للشعوب، خصوصًا في بلد غني بالإرث الفني مثل السودان.
كنت رئيسًا لتجمع الفنانين والموسيقيين السودانيين بالرياض… ماذا أنجزتم خلال هذه الفترة؟
تشرفت برئاسة تجمع الفنانين والموسيقيين السودانيين بالرياض خلال الفترة من 2023 إلى 2025.
كان هدفنا الأساسي دعم الفنانين والمبدعين، وتعزيز الحراك الثقافي السوداني داخل المملكة العربية السعودية.
عملنا على بناء بيئة أكثر تنظيمًا للتعاون بين الفنانين، وتشجيع المبادرات التي تخدم الثقافة السودانية وتبرزها في المحافل المختلفة.
كانت تجربة ثرية جدًا على المستوى الإنساني والتنظيمي.
لديك أيضًا حضور في العمل المؤسسي الإعلامي… كيف ترى هذه المسؤولية؟
أتشرف بعضويتي في اللجنة التسييرية لإعلاميي السودان بالمملكة العربية السعودية، كما أتولى رئاسة لجنة النظام واللوائح.
أنا مؤمن جدًا بأهمية العمل المؤسسي، لأن المؤسسات القوية تخلق بيئة احترافية ومستدامة.
في رأيي، تطوير العمل الإعلامي لا يعتمد فقط على الأفراد الموهوبين، بل يحتاج أيضًا إلى أطر تنظيمية واضحة تحكم الممارسة المهنية وترسخ القيم الأخلاقية والمهنية.
كيف تنظر إلى كل هذه المسارات المتنوعة؟
لا أراها مسارات منفصلة، بل أراها أجزاء من مشروع حياتي.
الجيولوجيا علمتني المنهجية والدقة.
الإعلام منحني الصوت والمنصة.
الفن منحني الحس الإنساني والقدرة على التعبير.
هذه المجالات الثلاثة تكمل بعضها بعضًا، وصنعت شخصيتي المهنية والإنسانية.
أخيرًا… ما الرسالة التي تريد أن تتركها؟
أؤمن بأن أجمل ما يمكن أن يتركه الإنسان بعد رحلته ليس المال ولا المناصب، بل الأثر.
أثر طيب في حياة الناس، فكرة نافعة، كلمة صادقة، ومساهمة حقيقية في خدمة المجتمع والوطن.
هذه هي الرسالة التي أسعى إليها، وما زلت أؤمن بأن الطريق لم ينتهِ بعد، وأن القادم يحمل فرصًا أكبر للعطاء والتأثير.












