ملفات قانونية
الواثق عبدالرحمن
جريمة القتل في السودان شهيرة جدًا، ومعظم الناس – حتى الذين لا علاقة لهم بحقل القانون – تجدهم يعرفون المواد القانونية المتعلقة بجريمة القتل وعقوبة الإعدام شنقًا المحددة كجزاء لمن يقوم بقتل أي شخص. فتسمع في الونسة: “ياخ الزول ده محكوم بـ(151)”، والتي أصبحت في القانون الجنائي السوداني لعام 1991 المادة (130). وشهرتها، بالقطع، نابعة من حجم الجريمة، إذ إن العقوبة مفوتة للنفس وقاسية، وكلاهما، جريمة القتل ثم عقوبتها الإعدام، قاسيتان ولهما أثر نفسي كبير سواء على أهل القتيل أو أهل القاتل.
لكن السؤال يظل قائمًا: هل كل قاتل يُقتل؟ وهل يستتبع قيام الجريمة وثبوتها الحكم على القاتل بالإعدام؟ الإجابة قطعًا: (لا)، إذ إن هناك أسبابًا متعددة تشفع للقاتل وتحيل الجريمة من جريمة القتل العمد إلى شبه العمد. ونبين في هذه المقالة أشهر سببين يخففان من جريمة القتل ويحيلانها إلى (القتل شبه العمد).
أول الدفوع وأقواها هي حالة الاستفزاز الشديد المفاجئ، الذي يتسبب فيه المقتول بالإتيان بفعل يغضب القاتل ويخرجه عن طوره، وأبرزها الجرائم المتعلقة بالشرف. كأن يجد القاتل القتيل في وضع أخلاقي مع إحدى محارمه، سواء كانت زوجته أو أخته، فيستفز وتشتعل نفسه غضبًا وألمًا، فإن بادر لتوه وعلى الفور بقتل من تعدى على محارمه، فإن هذا الدفع يشفع له، وتُحال العقوبة من الإعدام إلى السجن حسبما هو منصوص عليه في متن المادة (131) من القانون الجنائي السوداني.
ويشترط في الدفع بحالة الاستفزاز أن يكون الاستفزاز شديدًا ومفاجئًا وحالًا، أي ألا يكون القاتل على علم مسبق بما يرتكبه القتيل من فعل، فيترصده ويقتله. وهناك قصة معروفة في سجلات القضاء السوداني تتعلق بشخص كان يعلم بعلاقة زوجته برجل آخر لاكتشافه رسائل متعددة متبادلة بين زوجته وذلك الغريب. وعندما قام الرجل بقتل زوجته طعنًا بالسكين، دفع محاميه بأنه كان مستفزًا، لكن المحكمة حكمت عليه بالإعدام لأنه كان (عارفًا) بعلاقة زوجته، وممسكًا بالرسائل المتبادلة ذات التواريخ السابقة، ومن ثم فقد تلاشت حالة الاستفزاز المفاجئ، وتحول الشخص، بعد أن هدأت نفسه من الاستفزاز، إلى مترصد لزوجته، فحكم عليه بالإعدام وقُتل شنقًا.
ومن أشهر قضايا القتل التي استفاد فيها القاتل من الدفع بالاستفزاز الشديد المفاجئ، قضية صيدلية بالسجانة بالخرطوم، والتي قام فيها الصيدلي باستفزاز أحد الزبائن بإطلاق عبارة (عنصرية)، فقام القاتل بضربه (بونية)، وقع على إثرها الصيدلي واصطدم بجدار حديدي، وتوفي على الفور. وتحولت العقوبة من الإعدام إلى السجن لكون القاتل تعرض لاستفزاز عنصري شديد أخرجه عن طوره، فضرب الصيدلي القتيل تلك الضربة التي عجلت بوفاته.
ونستعرض في الحلقة القادمة الدفع بـ(المعركة المفاجئة)، فترقبونا.
عزاء واجب:
رحم الله البروفيسور عز الدين عمر موسى، الحائز على جائزة الملك فيصل، والرجل الذي كان له أثر كبير في حقول العمل العام بمدينة الرياض، وله حضوره العلمي والاجتماعي والثقافي المميز والمؤثر. رحمه الله وغفر له وأسكنه فسيح جناته.
المستشار القانوني












