بوح الحبر
د. الحبر عبد الوهاب
الوطن هو المكان الوحيد الذي يستقبلك ويتقبلك على علاتك، وتتعلق به على علاته تعلق الرضيع بأمه! وهكذا استقبلني وطني أشعث أغبر، من غير أصباغ، ورحبت بي قريتي وداري التي عرفتها من غير توهّم رغم احتراق أشجار الليمون عطشاً بسبب الجفاف ونزوح الأهل بسبب الحرب، إذ كانت قذائفها ومضادات الطيران تتساقط في فناء المنزل.
هنا مرَّ الشفشافة ذات ليلة وضربوا ولديّ اللذين كانا وحيدين، بحجة أن والدهما (ضابط كبير) في الجيش!! لكن أعتقد أن السبب الحقيقي أنهم لم يعثروا على شيء ذي بال يستفيدون منه ماديا ، فمعظم محتويات المنزل كُتب! كتب في المخزن ضاقت بها (شنط) الحديد.. وكتب في الغرف، وكتب تناثرت على النوافذ وبين الملابس. كتب تدرجت من أمهات الكتب، مثل التبيان في إعراب القرآن للعكبري وحتى روايات أجاثا كريستي. كتب جلبتها من «الأزبكية» قرب «العتبة» في القاهرة، ومن «دار الحكمة» في صنعاء، ودار النشر والدار السودانية للكتب في الخرطوم.
عند وصولي إلى قريتي كنت حزيناً، كما قلت سابقاً، فأثناء غيابي ارتحل كثيرون من أهلي عن هذه الدار إلى دار دائمة هي أحسن مقاما. لدى كل أسرة في القرية فقد، وفي كل بيت قصة مع «الدعامة»! تُختم بقول الراوي: الله لا عادهم. وهكذا الحال في كل القرى المجاورة.
مقابر القرية ضاقت بالموتى وامتدت حتى احتلت جزءاً من الطريق شرقها. أناس كنت أحسبهم أحياء قرأت أسماءهم على شواهد قبورهم ففاضت عيناي بالدموع! كأن حزن سني الحرب كله تجمّع ساعة وصلت القرية وجبت طرقاتها معزيا في أهلي الراحلين وقد وخط الشيب رأسي (المدودو) جراء السهر وإرهاق السفر وجلبة محرك السيارة الشريحة ونئيج الرياح.
في المساء كان عليّ أن أسلم بالواقع المر الذي أعيشه في قريتي التي ما زال بعض أهلها في منافي النزوح غرب النيل وفي مصر البعيدة وبقاع أخرى في أرض الله المدحوة.
بُعيد العشاء أخذت سريري بعيداً في الحوش الواسع، كانت نجمة «العقرب» قد بدأت تتشكل في الناحية الشرقية الجنوبية في السماء الصافية. تابعتها من رأسها وصدرها وقلبها المتوهّج وحتى «شوكتها».. وهبّت نسمة باردة دغدغت روحي المتعبة وجسدي المرهق فتثاءبت وأخذتني سنة من نعاس ورددت قول شوقي:
ويا وطني لقيتك بعد يأس
كأني قد لقيت بك الشبابا












