العِناق
مهدي يوسف إبراهيم
……
توطئة
– كيف كانت رائحةُ ذراعي أبيك؟
– كانت لها رائحةُ الديار
من حوارٍ في فيلم” Father Figures”
……………………
ما أجملَ أن يباغتك أحدُهم بعناقٍ حارٍ وأنت وحيدٌ كفنارٍ بحري غاطسٍ في قاع صمته. ما أجمل أن تنتشلك ذراعا محبوبٍ ما من غياهبِ جُبِ عزلتك وتقدماك ثانيةً إلى الشمس والتراب والناس والأشياء. ما أجملَ أن تحتويك ذراعاه كما تحتوي تلافيفُ الذاكرةِ التفاصيل الكنوز، ويتغلغلَ بهارُ جسديكما في بعضه تغلغلَ المطرِ بين فخذي تربةٍ ظامئة. ما أجملَ أن يصبحَ وطنُ جسدِك امتداداً لتضاريسِ جسدٍ آخر، تتفرعَ من ذراعيك ذراعان، تنبتَ لأصابعك قبائلُ من أنامل، تنبعثَ من أنفاسك رائحةُ بُنٍ “هدندوي” اللسعة، وتنشقَّ عن تراب شهقاتك وردتان. ما أجمل أن تتسكعَ روحُك خارج برزخ جسدك، متمددةً على سهوبٍ جسدٍ آخر، متشابكةً مع روحه في ثرثرةٍ بهيةٍ، سابحةً معها في نهر الأبد ومتحدةً معها كما الفرشاة والألوان.
ما أجمل أن ينثني عليك إنسانٌ ما كما ينثني غضنٌ مُرهق على سقفٍ مجاور، يستريحَ بين ذراعيك كما تستريحُ وردةٌ في عتمة شعرٍ طويل، يمتزجَ بك امتزاج الطبول بالغابات ويقاسمَك بعضاً من فاكهةِ نبضه. ما أجمل أن تُلقي بأحزان منافيك على ذراعي آخر يلملمُ عنك أوراقك الناشفة، ويبللُ خبزَ نبضك اليابس، ويمنحُك بين ذراعيه سريراً دافئاً كشموس بلادي!!
العناقُ هو قُبلاتٌ مواربة، هو أن تستسلم لذراعين تلقيان القبضَ على وحدتك، هو أن تُعرّي صوت حنينك بينهما حد الصراخ. العناقُ هو وقوفك مستسلماً في مهب اشتياقاك، هو جوعُ جسدك الرحّالٍ لجسدٍ وطن، هو شهقةُ غيابك لتراب الحضور، هو تمشي أحلامِ ذراعيك على مرمر نعاسٍ ناصع الحنين، هو نقرُ حمائم رغباتك على حقول شرايين المحبوب، وهو بحثُك في جسده عن مناطق منزوعةِ الأسئلة. العناقُ هو سقوطُك الاختياري في فخِ عطر المحبوب، هو خروجُك من قمقمٍ كنت تحبس فيه هذيانك إلى رحاب الفضاءات العريضة. العناقُ هو تأبينُك تواريخ الرتابة وسفرُك على صهوات الدهشة. العناقُ هو تخلصُك من يُتم طفلِ الدواخل، وتمزيقُك أكفانَ المعقول، هو تساميك فوقَ وعكاتِ الروح ونومُك عارياً على شراشف الانتماء. العناقٌ هو استسلامُك لحكةٍ في جلد الحنين، هو اصطفاقُ قلبك لمقدم سنونوات تحمل رائحة موجٍ ذراعين ما، هو دوبيتُ اشتهاءاتك في فيافي صمت الليل وهو رقصات صمتك على طبول غابات الاحتياج. العناقُ هو عريك النبيل داخل هيكل بكائك الممتد، وهو لقاءُ روحك روحاً لقاءً يرتّبُ فوضى ذاكرتك ويفتحُ نوافذها على شوارع السُكر. العناقُ هو موعد شموسك الغرامي مع فتاةِ الروابي، وقع خيولك على مضامير قبيلةٍ تحترفُ الجنون، قُبلةُ نيلِك لمراكب لا تملُ السفر وانسكاب تاريخك بين ذراعي محبوبك. العناق هو استراحة الضوء على بؤبؤ عينيك، مخاصرة نيل صدرك لتوتي نهدين ما، عبق مسامٍ تكرفه لحظة وصولك وطن الكتفين، طعنةٌ وسيمةٌ في خاصرة الاعتياد، هروبك من أقاليم اغتراب الذات وركضك كطفلٍ على رمالٍ خارج تخومِ ذاتك. العناق هو تنازلك – طوعاً – عن حريتك، كلماتُك التي تترنمُ بها بذراعيك وغرسُك راياتِك البيضاء على تلال صدرٍ حبيب. العناق معطف روحك الشتائي، نارُ لياليها الصيفية وأنسها بأشجارٍ تظللها في عراءِ الوجودِ الماحق…
العناق …هو أنت !!












