هلال وظلال
عبد المنعم هلال
ـ بين المدرجات وتوفير حق الرغيف هل أصبحت الرياضة ترفاً في السودان ..؟ ففي بلد يواجه واحدة من أقسى الأزمات الاقتصادية والإنسانية في تاريخه الحديث لم يعد السؤال عن نتائج المباريات أو صفقات اللاعبين هو الشاغل الأول للمواطن السوداني بل أصبح السؤال اليومي كيف نوفر لقمة العيش ..؟ وكيف نواجه موجة الغلاء التي لا تتوقف ..؟
لقد تغيرت حياة السودانيين بصورة دراماتيكية خلال السنوات الأخيرة وزادت الحرب من تعقيد المشهد فارتفعت أسعار السلع الأساسية بصورة غير مسبوقة وأصبحت المعيشة عبئاً ثقيلاً على ملايين الأسر التي تكافح من أجل البقاء في مثل هذه الظروف يبدو الحديث عن الرياضة وكأنه حديث عن عالم آخر فالمواطن الذي يقضي ساعات في البحث عن الخبز أو توفير قيمة العلاج أو رسوم الدراسة لن تكون الأولوية عنده شراء تذكرة مباراة أو الاشتراك في قناة رياضية أو السفر لمتابعة فريقه المفضل.
ـ زمان كان الذهاب إلى الإستاد جزءاً من الروتين الأسبوعي لكثير من السودانيين كانت المدرجات تمتلئ بالجماهير وكانت كرة القدم تمثل مساحة للفرح والتنفيس عن ضغوط الحياة أما اليوم فقد أصبحت تكلفة حضور مباراة واحدة تعادل مصروفات أسرة ليوم أو أكثر وتوفير حق الرغيف أصبح أهم من التفرج على لاعب حريف.
ـ المواصلات ارتفعت وأسعار الطعام والشراب تضاعفت والدخول تآكلت أمام التضخم المستمر ولذلك لم يعد غريباً أن يختار المشجع البقاء في المنزل أو الانشغال بتوفير احتياجات أسرته بدلاً من متابعة مباراة لفريقه المفضل وحتى متابعة الرياضة عبر الشاشات لم تعد سهلة كما كانت فتكاليف الإنترنت والكهرباء والاشتراكات أصبحت جزءاً من فاتورة الحياة اليومية التي تثقل كاهل المواطن وهكذا أصبحت الرياضة التي كانت في متناول الجميع أقرب إلى الترف منها إلى النشاط الشعبي الواسع الذي عرفه السودانيون لعقود طويلة.
ـ الأندية نفسها لم تكن بعيدة عن تأثير الأزمة فضعف الحضور الجماهيري يعني انخفاض الإيرادات وانخفاض الإيرادات يعني صعوبة الوفاء بالالتزامات المالية وتطوير البنية التحتية واستقطاب اللاعبين والمدربين ولذلك فإن الغلاء لا يضرب المواطن وحده بل يضرب المنظومة الرياضية بأكملها لكن رغم كل ذلك تبقى الرياضة ضرورة معنوية وليست مجرد رفاهية فالإنسان يحتاج إلى ما يخفف عنه أعباء الحياة ويمنحه شيئاً من الأمل وسط الظروف القاسية والرياضة ظلت دائماً واحدة من أهم وسائل الترفيه والتماسك الاجتماعي في السودان غير أن الواقع الحالي يفرض معادلة قاسية فعندما يجد المواطن نفسه أمام خيارين شراء الخبز لأطفاله أو شراء تذكرة مباراة فإن النتيجة معروفة سلفاً وعندما تصبح تكلفة المعيشة أكبر من قدرة الناس على الاحتمال تتراجع كل الاهتمامات الأخرى مهما كانت أهميتها.
ـ لقد أصبحت المعركة الحقيقية لمعظم السودانيين اليوم ليست في المنافسة على بطولات كرة القدم وإنما في المنافسة مع الأسعار التي ترتفع بلا توقف وإيقاف هجوم الغلاء ولم يعد الحديث في الأسواق عن أهداف المهاجمين أو أخطاء الحكام بل عن أسعار الدقيق والرغيف والزيت والسكر والوقود والمواصلات.
ـ ما بين كرة القدم والرغيفة تنتصر الرغيفة دائماً وما بين تشجيع الفريق المفضل ومواجهة متطلبات الحياة تنتصر الضرورات.
ـ لكن يبقى الأمل قائماً في أن يعود الاستقرار إلى السودان وأن تتحسن الأحوال الاقتصادية وأن يستعيد المواطن حقه في أن يعيش حياة كريمة يجد فيها ما يسد رمقه وما يمنحه أيضاً فرصة للفرح.
فالشعوب لا تعيش بالخبز وحده لكنها كذلك لا تستطيع أن تستمتع بالرياضة بينما تقف يومياً في مواجهة المعيشة المخيفة والغلاء الذي لا يرحم.
ـ ومع ذلك وبرغم قسوة الواقع وضيق المعيشة وارتفاع الأسعار سنظل نكتب عن الرياضة وعن معشوقنا الهلال وسنظل نلاحق الأخبار ونحلل المباريات ونختلف ونتفق حول تفاصيلها ليس هروباً من واقعنا وإنما بحثاً عن نافذة صغيرة يدخل منها شيء من الفرح والأمل فالرياضة بالنسبة للكثيرين ليست مجرد نتائج وألقاب بل هي متنفس يخفف وطأة الأيام الصعبة ومساحة يجتمع فيها الناس على المحبة والهيام لذلك ستبقى حروفنا حاضرة وستبقى الكتابة عن الرياضة عامة والهلال على وجه الخصوص متكأً جميلاً للرياضيين وفسحةً نهرب إليها من ضجيج الحياة وهموم المعيشة حتى يأتي يوم تعود فيه الأفراح أكبر من الأحزان وتعود الحياة إلى طبيعتها التي نحلم بها جميعاً.













