مسيرة حافلة بالوفاء والإبداع في الملاعب وخارجها






صديق الطفولة أطلق عليه لقب «الريشة»
أسطورة الوسط وصاحب اللمسة الساحرة
لاعب سبق عصره في الأداء والإبداع
من الأحياء الشعبية إلى قمة النجومية
نجم كتب اسمه بأحرف من ذهب
عماد أحمد ـ آكشن سبورت
يُعد الكابتن الفاتح عبد الهادي محمد أحمد، الشهير بـ«الفاتح الريشة»، أحد أبرز نجوم الكرة السودانية في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، بعدما جمع بين الموهبة الفطرية والأخلاق العالية والوفاء لشعار نادي الهلال، ليترك بصمة خالدة في تاريخ الكرة السودانية.
ولد الفاتح الريشة في حي الخرطوم (3)، قبل أن تنتقل أسرته إلى مدينة ود مدني بحكم عمل والده في وزارة الري، وهناك تلقى تعليمه حتى المرحلة الثانوية، وبدأت رحلته مع كرة القدم التي عشقها منذ طفولته.
البدايات الأولى
كانت البداية مع «كرة الشراب» في أحياء ود مدني، قبل أن ينضم إلى فريق الأمير برابطة السكة الحديد الجنوبية، حيث لعب في البداية حارسًا للمرمى، ثم انتقل إلى خط الوسط، ليكتشف الجميع موهبته الحقيقية، ويكتسب أساسيات لاعب الوسط الحديث.
وفي أواخر عام 1972 انتقل إلى نادي النيل ود مدني عبر الكشاف مصطفى الزبير، وسرعان ما فرض نفسه ضمن التشكيلة الأساسية بفضل مستواه الفني المميز، ليصبح أحد أبرز لاعبي منتخب الجزيرة، ولفت الأنظار خلال بطولة دوري السودان، خاصة في مواجهة الهلال والنيل ود مدني.
طريق الهلال
أصبح الريشة هدفًا لقطبي الكرة السودانية، وكان المريخ أول من فاوضه عبر الكابتن بشارة عبد النصيف، قبل أن يتحرك الهلال لضمه، لكن نادي النيل رفض في البداية التخلي عن خدماته.
ومع حلول فترة التسجيلات، وقع اللاعب رسميًا في كشوفات الهلال، قبل أن يكتمل انتقاله مطلع عام 1975 بعد موافقة نادي النيل على إطلاق سراحه.
وكان الريشة قد نال ثقة الخبير اليوغسلافي يانكو، المدير الفني للمنتخب السوداني آنذاك، قبل انتقاله إلى الهلال، وشارك مع المنتخب في مباراة السودان ومصر التي انتهت بالتعادل بهدف لكل منتخب.
انطلاقة قوية
وجد الفاتح الريشة في الهلال بيئة مثالية للإبداع، تمثلت في التدريب الحديث، والرعاية الطبية، والاستقرار النفسي والإداري، وهو ما ساعده على إبراز موهبته وسط كوكبة من نجوم الوسط، أمثال شواطين، وكتم، وعثمان الجلال، وشيخ إدريس بركات، ثم عبد العظيم قلة ومصطفى النقر.
وكان ضمن قائمة الهلال في مباراة كأس الثورة الصحية عام 1976، التي أعقبها قرار الرئيس جعفر محمد نميري بحل الأندية وإيقاف النشاط الرياضي فيما عرف بـ«الرياضة الجماهيرية»، وهو القرار الذي ترك آثارًا كبيرة على الكرة السودانية.
هدف خالد
بعد عودة النشاط الرياضي مطلع عام 1977، شارك الهلال والمريخ في مباراة ودية احتفالًا بعودة الأندية، وانتهت بالتعادل (1-1)، وسجل الفاتح الريشة أحد أجمل أهداف الكرة السودانية، بتسديدة صاروخية من خارج منطقة الجزاء استقرت في شباك الحارس الهادي سليم.
ولا يزال هذا الهدف يُعرض حتى اليوم في برامج توثيق تاريخ الكرة السودانية، ويُعد من أجمل الأهداف التي سجلت في تاريخ الهلال.
ثنائية مميزة
كوّن الفاتح الريشة ثنائية رائعة مع عبد العظيم قلة، منحت الهلال أفضلية واضحة في منطقة الوسط، بفضل التفاهم الكبير بينهما منذ أيام منتخب الجزيرة.
وبعد احتراف عبد العظيم قلة عام 1979، واصل الريشة تألقه في وسط الهلال، وشكل لاحقًا ثنائية ناجحة مع أبراهومة «الديسكو».
الاحتراف الخارجي
تلقى الريشة عرضًا للاحتراف في نادي القادسية السعودي، وسافر بالفعل مع الفريق إلى معسكره بالبرازيل، إلا أن الهلال رفض إكمال انتقاله.
وفي عام 1981 خاض تجربة احتراف ناجحة مع نادي عجمان الإماراتي، واستمر معه موسمين، قبل أن يعود إلى الهلال بطلب من رئيس النادي الطيب عبد الله وقيادات النادي، مفضلاً العودة إلى السودان رغم العائد المالي الكبير الذي كان يحصل عليه في الإمارات.
وفاء نادر
في عام 1983 حمل شارة قيادة الهلال، ثم قدم واحدًا من أروع نماذج الوفاء عندما أخلى خانته طوعًا لإعادة تسجيل فتحي فرج الله، حفاظًا على استقرار الفريق، في موقف ظل راسخًا في ذاكرة جماهير الهلال.
وكان بإمكان الإدارة شطب لاعب آخر، لكنها فضلت الاحتفاظ به، فيما وافق الريشة على التضحية بمكانه رغم أنه كان مقبلًا على الزواج، لتنتهي بذلك مسيرته مع الهلال التي كتب خلالها اسمه بأحرف من ذهب.
قدرات فنية
امتاز الفاتح الريشة برشاقة لافتة ولمسات فنية راقية جعلت زميله رشيد المهدية يصف أسلوبه بأنه يحمل «نكهة برازيلية».
كما امتلك قوة كبيرة في التسديد، وقدرة على صناعة اللعب، والالتزام التكتيكي، إلى جانب نجاحه في شغل مركز قلب الدفاع عند الحاجة، وهو ما جعله محل ثقة جميع المدربين الذين أشرفوا على تدريبه.
وتلقى تدريباته على أيدي نخبة من المدربين، من بينهم عبد العال ساتي، وسيد سليم، وشوقي عبد العزيز، وسليمان فارس، وعثمان الصبي، وأمين زكي، وإبراهيم كبير، وسيزر.
أما لقب «الريشة» فقد أطلقه عليه صديقه كمال حسن بشير منذ أيام فريق الأمير، بسبب خفة حركته ورشاقته، وظل اللقب ملازمًا له حتى اليوم.
بعد الاعتزال
بعد اعتزاله، اتجه إلى التدريب، وتلقى دورات متقدمة في أكاديمية أيندهوفن الهولندية وأكاديمية «قابكو»، قبل أن يتولى تدريب قطاعي الشباب والرديف بنادي الهلال، ثم عمل مديرًا إداريًا للفريق الأول عام 2003.
كما أشرف على تدريب عدد من الأندية السودانية، من بينها الأمير البحراوي، وأمبدة، والميرغني كسلا، والأهلي الخرطوم، والتاكا كسلا، والأهلي شندي، وموردة القضارف، والأهلي عطبرة، وترك بصمة واضحة أينما عمل.
حياة خاصة
رزق الفاتح الريشة بثلاثة أبناء وثلاث بنات. فابنه الأكبر محمد خريج كلية الهندسة بجامعة السودان، ومثل منتخب الناشئين، قبل أن يحترف في ألمانيا ويستقر هناك. أما أحمد والوليد فقد واصلا مسيرتهما الرياضية، فيما تقيم ابنته الكبرى بمدينة جدة، بينما تعيش الثانية في سوبا، وتواصل الصغرى دراستها.
ويحظى الريشة بمحبة واسعة داخل الوسط الرياضي لما عُرف عنه من أخلاق رفيعة وتواضع واحترام للجميع، وظل اسمه حاضرًا في ذاكرة جماهير الهلال بوصفه أحد أكثر اللاعبين وفاءً وإخلاصًا لشعار النادي.












