بوح الحبر
د. الحبر عبد الوهاب
غيابي خمس سنوات عن قريتي أثناء سني الحرب أفقدني أشياء كثيرة، لذا فقد كان عليّ بعد أن استقر مقامي بها أن أرمم علاقاتي بالناس والأشياء. الوجوه التي تركتها وهي تمتلئ حيوية وشبابًا ألبستها سنوات الحرب مظاهر شيخوخة مبكرة! أما الذين كانوا شيوخًا فقد لزموا أسرّة المرض بعد أن عادوا من منافي التهجير يجترون ذكريات أندادهم وأحبابهم الذين ارتحلوا عن هذه الدار، ودُفنوا في عطبرة أو شندي أو ود الحبشي أو الكوداب، ومع ذلك فقد ولدت النساء أطفالًا رغم الحرب ومآسيها، وكبر الصغار وهم الآن يملؤون القرية صخبًا في “عصاريها”، خاصة عند لعبهم كرة القدم.
بيوت القرية التي شحب لونها ويبست أشجارها وماتت عطشًا بعد أن غادرها قاطنوها هربًا من جحيم الحرب، وسكنتها الثعالب، تحاول الآن النهوض، وترميم جدرانها، وإعادة بناء “حيشانها” ووجهها السمح.
المدرسة الثانوية للبنين “انملخ” شِقُّها الأيمن تمامًا عندما أصابته “دانة” وهدمت الفصل الأمامي فيه، وأصبح الدخول فيه ممنوعًا، ورغم ذلك ما زال الطلاب يدرسون فيما تبقى من الفصول.
الحقول على ضفة نهر النيل الشرقية، والتي لم تزرع منذ سنوات وتناسلت فيها أشجار المسكيت والسنط والسدر حتى أصبحت غابات تكثر فيها القرود والطيور الغريبة، يحاول مالكوها استصلاحها الآن رغم ضيق ذات اليد، وأنا كذلك وضعت قلمي جانبًا، ونزعت عني صفة الأستاذ و”الأفندي”، ولبست “شمَّارة” “التربال”، وجئت حقلي وطفقتُ أحرق وأجتثُ جذور أشجار المسكيت والحلفاء، عملا بنصيحة والدي الراحل بأن عليَّ ألّا أنسى أرضي، مرددًا قول أحمد شوقي:
ويا وطني لقيتك بعد يأس ..
كأني قد لقيت بك الشبابا..
وبكلمة واحدة: هذه القرية بدأت الحياة تعود إلى شرايينها رغم أنها ترفع بين الحين والآخر بصرها إلى السماء حينما تسمع أزيز طائرة تظن أنها “مسيرة” وجّهها مرتزقة من كولومبيا لضرب الخرطوم!
لكنني رغم ظهور خيوط الفجر ما زلتُ ألمس الحزن الدفين في حديث أهلي وهم يجترّون ذكرياتهم مع الذين مروا بهم هنا، مدججين بأسلحتهم وغدروا بهم بدون ذنب جنوه. الشاب (ود الطيب) حاول المرتزقة سلب “دفّاره” منه فواجههم بيديه الفارغتين إلا من شجاعة وإيمان بالله والوطن والعرض، فرمى أحدهم أرضًا وكاد يقتله، لكن آخر قتله برصاصة “جبانة”!
ذهبت إلى أمه الصابرة المحتسبة معزيًا فوجدتها تصلي صلاة العصر، فامتلأتُ يقينًا أن هذا الشعب لن يُقهر!
الشاب (ود سندة) وجده الغزاة القادمون من الصحراء الكبرى جوار قاربه على شاطئ النيل فأردوه قتيلا برصاصة الجبن والغدر!
صديقي المزارع (الفاضل) ربطه المعتدون ومعه مجموعة من المواطنين بجذوع الأشجار أيامًا وليالي مكبلين في قيودهم.
ابن صديقي (علي بشير) قتله المرتزقة من أجل “جواله” بعد أن رفض أن يعطيهم إياه! ومثل هذه القصص أكثر من أن تُعد، وستصير تاريخًا يروي أشد الفترات قتامة في تاريخ السودان!












