مهاد الحروف
مهاد عوض
في مشهد يتكرر داخل بيئات العمل والمجتمعات المختلفة، تبرز شخصيات تمتلك قدرًا عاليًا من الخبرة والكفاءة، قادرة على إدارة المواقف بذكاء واتخاذ قرارات دقيقة. هذه الشخصيات، رغم ما تحققه من إنجازات واضحة، لا تجد دائمًا التقدير الذي يتناسب مع عطائها، بل تُقابل أحيانًا بسلوكيات تحمل في طياتها تقليلًا أو انتقاصًا، خاصة أمام الآخرين.
هذه الظاهرة تطرح تساؤلًا مهمًا: لماذا يتحول التميز في بعض الأحيان إلى مصدر إزعاج للآخرين بدل أن يكون مصدر إلهام؟
يرى مختصون في السلوك الاجتماعي أن ظهور شخصية متمكنة يخلق حالة من “تهديد المكانة” لدى البعض، خصوصًا أولئك الذين يربطون قيمتهم الشخصية بمواقعهم أو أدوارهم، لا بقدراتهم الفعلية. ومع بروز شخص أكثر كفاءة، يبدأ الشعور الداخلي بعدم الأمان في التسلل، ليترجم في صورة سلوكيات دفاعية.
وتتجلى هذه السلوكيات في أشكال متعددة، من أبرزها التقليل من الإنجازات، أو التشكيك في الجهود، أو إطلاق تعليقات ساخرة تقلل من قيمة ما تحقق. وفي أحيان أخرى، يتم تجاهل النجاحات بشكل متعمد، أو نسبها إلى “الحظ” أو ظروف خارجية، في محاولة غير مباشرة لسحب الاعتراف.
كما تشير بعض التحليلات إلى أن المقارنة المستمرة تلعب دورًا رئيسيًا في هذه الظاهرة، حيث يجد البعض أنفسهم في سباق غير معلن مع الآخرين، وعندما تكون النتائج في غير صالحهم، يصبح التقليل من الطرف الآخر وسيلة لتعويض هذا الشعور.
وفي سياق متصل، تبرز النرجسية كأحد العوامل المؤثرة، إذ يميل الشخص النرجسي إلى رفض الاعتراف بتميز غيره، خاصة إذا كان هذا التميز يهدد صورته الذاتية. فيلجأ إلى الانتقاد العلني أو التقليل أمام الآخرين كوسيلة للحفاظ على مكانته.
ورغم أن هذه السلوكيات قد تبدو في ظاهرها تعبيرًا عن قوة أو سيطرة، إلا أنها في حقيقتها تعكس هشاشة داخلية وشعورًا بعدم الاستقرار النفسي.
في المقابل، ينصح خبراء التعامل مع هذه المواقف بالتركيز على الحفاظ على التوازن المهني، وعدم الانجرار إلى صراعات جانبية، مع ضرورة وضع حدود واضحة عند التعرض للتقليل العلني. كما يؤكدون أن الاستمرارية في الأداء المتميز تظل الرد الأقوى على محاولات الانتقاص.
في النهاية، يبقى التميز الحقيقي قائمًا بذاته، لا ينتظر اعترافًا، ولا يتأثر بمحاولات التقليل، لأنه يستند إلى قيمة فعلية لا يمكن إنكارها، مهما اختلفت ردود الأفعال حوله.












