الدكتور عاجب الطيب عاجب
كثير من الناس يعتقدون أن الرؤية مجرد كلمات جميلة تُكتب في بداية الخطط أو تُعلّق على جدران المؤسسات، لكن الحقيقة أن الرؤية أعمق من ذلك بكثير. فهي ليست لوحةً تُزيّن المكاتب، وإنما بوصلةٌ تُوجّه العقول، وتبني السلوك، وتصنع الثقافة.
لقد قيل: “الرؤية لا تغيّر المستقبل مباشرة، لكنها تغيّر سلوك الإنسان في الحاضر، والسلوك هو الذي يصنع المستقبل.” وهذه العبارة تختصر قانونا مهمًا في التنمية والإدارة والحياة.
فالإنسان لا يتحرك نحو المستقبل بعشوائية، وإنما يتحرك وفق الصورة التي يحملها في ذهنه عن نفسه وعن مجتمعه. فإذا كانت رؤيته واضحة، أصبح أكثر قدرة على ضبط سلوكه، وترتيب أولوياته، واتخاذ قراراته. أما إذا غابت الرؤية، فإن السلوك يصبح أسيرا للظروف، والانفعالات، وردود الأفعال.
ولهذا نجد أن الشخص الذي يرى مستقبله مليئا بالنجاح، يحافظ على وقته، ويطوّر مهاراته، ويتحمل المسؤولية، لأن سلوكه اليومي منسجم مع رؤيته. بينما من لا يمتلك رؤية واضحة قد يبدد وقته وجهده في أمور لا تقوده إلى أي هدف.
والرؤية لا تؤثر في الأفراد فقط، بل تشكّل ثقافة المجتمع أيضا. فالثقافة ليست مجرد عادات أو موروثات، وإنما هي منظومة من القيم والأفكار والسلوكيات التي يتفق عليها الناس. وكلما كانت الرؤية المجتمعية واضحة، أصبحت الثقافة أكثر إيجابية، وانتشرت قيم العمل والإتقان والتعاون واحترام القانون والحوار.
أما حين يغيب وضوح الرؤية، فقد تنتشر ثقافة التسرع في إطلاق الأحكام، والافتاء بغير علم، والتعصب للرأي، وإلقاء اللوم على الآخرين، لأن المجتمع يفقد الاتجاه الذي يجمعه ويهديه.
ومن هنا فإن إصلاح المجتمعات لا يبدأ بالقوانين وحدها، بل يبدأ ببناء رؤية مشتركة، ثم تحويل هذه الرؤية إلى سلوك يومي. فالمدرسة، والأسرة، والجامعة، ووسائل الإعلام، والمؤسسات، جميعها مسؤولة عن غرس قيم الانضباط، واحترام المعرفة، وثقافة الحوار، والعمل الجماعي، لأنها السلوكيات التي تجسد الرؤية في الواقع.
إن الأمم العظيمة لم تنهض لأنها امتلكت الموارد فقط، وإنما لأنها امتلكت رؤية واضحة، ثم ترجمتها إلى ثقافة، وتحولت الثقافة إلى سلوك، وأصبح السلوك عادة، والعادة صنعت الحضارة.
لذلك، إذا أردنا مستقبلا أفضل، فلنبدأ من الحاضر. ولنبدأ من أنفسنا. ولنسأل كل صباح: هل السلوك الذي أمارسه اليوم يقربني من الرؤية التي أحلم بها، أم يبعدني عنها؟
فالمستقبل لا يولد فجأة، بل يُبنى كل يوم بسلوك واعٍ، ورؤية واضحة، وثقافة تؤمن بأن التغيير الحقيقي يبدأ من الإنسان. أستاذ إدارة الأعمال المشارك وخبير التنمية البشرية












