على حافة الضوء
دكتور عمار برهان
في أمدرمانَ حيثُ تتلاقى أنفاسُ النيلِ معَ نبضِ الذاكرةِ الشعبيةِ ولدَ عليّ محمد علي المكّ في الثاني عشرَ من فبراير عامَ 1937م، كانَ ذلكَ الوليدُ الصغيرُ يحملُ في عينيهِ بريقاً يشبهُ بريقَ الشمسِ الغاربةِ على ضفافِ النهرِ، بريقاً ناصعاً ينبئُ بمستقبلٍ أدبيٍّ زاخرٍ بالحكاياتِ والأحلامِ، نشأَ علي المك في بيتٍ يعجُّ بالحركةِ والتنقلِ إذ كانَ والدهُ قاضيًا ينتقلُ بينَ المدنِ، فانتقلَ الفتى بينَ أم درمانَ والفاشرِ وأرقو، جامعاً بينَ صخبِ الطفولةِ وهدوءِ الكتبِ المختلفةِ وقد شكلت هذهِ التنقلاتُ المبكرةُ وعيهُ وجعلتهُ يرى السودانَ بكلِّ تنوعهِ الجغرافيِّ والإنسانيِّ وزرعت في نفسهِ حباً عميقاً للوطنِ بكلِّ تفاصيلهِ الصغيرةِ.
كانَ علي المك في طفولتهِ قارئاً نهماً يلتهمُ الكتبَ كما يلتهمُ الجوعانُ طعاماً شهياً، التحقَ بكُتَّابِ ود المصطفى قبلَ أن يبلغَ السادسةَ ثمَّ انتقلَ إلى مدارسَ مختلفةٍ حتى أكملَ دراستهُ الثانويةَ في مدرسةِ وادي سيدنا ومنها إلى جامعةِ الخرطومِ كليةِ الآدابِ، عامَ 1955م، تخرجَ بمرتبةِ الشرفِ عامَ 1961م، ثمَّ حصلَ على الماجستيرِ في الإدارةِ العامةِ، ليصبحَ بعدَ ذلكَ بروفيسوراً وأستاذاً جامعياً يُدرِّسُ الأدبَ ويلهمُ الأجيالَ في الجامعةِ، كانَ طالباً استثنائياً مفكراً مبدعاً، يناقشُ ويربطُ بينَ التراثِ والحداثةِ بطريقةٍ تجذبُ الشبابَ وتفتحُ أمامهم آفاقاً جديدةً.
كانَ علي المك قاصاً وروائياً وناقداً بارعاً ينسجُ قصصهُ بأسلوبٍ يجمعُ بينَ البساطةِ الشعبيةِ والعمقِ الفلسفيِّ، مجموعاتهُ القصصيةُ مثلُ (العيون في الحقيبة) وغيرها، تحكي عنِ الإنسانِ السودانيِّ بكلِّ تناقضاتهِ، الفرحِ الذي يخفي حزناً، والأملِ الذي يصارعُ اليأسَ، كتبَ ليلامسَ قلوبَ الشبابِ الذينَ يبحثونَ عن هويتهم في زمنِ التحولاتِ القاسيةِ، وليرضيَ ذائقةَ النقادِ بجمالِ أسلوبهِ وعمقِ رؤيتهِ، كانَ أدبهُ قريباً من نبضِ الشارعِ، يتحدثُ عنِ الحبِّ والغربةِ والانتماءِ بلغةٍ سلسةٍ تسري في الروحِ كالنهرِ الهادئِ الذي يحمل تحليلِ قصصه ماءً صافياً، نرى كيفَ يستخدمُ الرموزَ اليوميةَ، كالنيلِ والقهوةِ والأزقةِ ليرسمَ لوحةً إنسانيةً عميقةً، تجعلُ القارئَ يتأملُ في ذاتهِ وفي مجتمعهِ، هذا النهجُ باتَ يقربهُ جداً من جيلِ الشبابِ الذي يجدُ في كتاباتهِ مرآةً لأحلامهِ وهمومهِ.
إلى جانبِ الإبداعِ الأدبيِّ، كانَ علي المك مترجماً ماهراً ينقلُ إلى العربيةِ روائعَ الأدبِ الإنجليزيِّ بأمانةٍ وجمالٍ، اتسمت ترجماتهُ بالقدرةِ على نقلِ روحِ النصوصِ وإعادةِ صياغتها، حتى يشعرَ القارئُ العربيُّ أنهُ يعيشُ التجربةَ بنفسهِ. كما ساهمَ في (مختارات منَ الأدبِ السودانيِّ)، حيثُ اختارَ نماذجَ من 43 كاتبًا سودانياً، غلبَ عليها الشعرُ والقصةُ، مما يعكسُ حبهُ للتراثِ السودانيِّ وإيمانهُ بأنَّ الأدبَ جسرٌ بينَ الأجيالِ، جمعت هذهِ المختاراتُ بينَ النصوصِ والدعوةِ إلى الحوارِ بينَ الماضي والحاضرِ، وشجعتِ الشبابَ على استكشافِ إرثهمُ الأدبيِّ بفخرٍ ووعيٍ.
في حياتهِ اليوميةِ، بدا البروفيسورُ علي المك شخصيةً فريدةً، بعدَ أن انتقلَ إلى منازلِ أساتذةِ جامعةِ الخرطومِ في بري، كانَ يستيقظُ باكراً كلَّ يومٍ ليذهبَ إلى أم درمانَ ويشربَ قهوتهُ في مقاهيها القديمةِ ويتحدثَ معَ الناسِ العاديينَ، ويستمعَ إلى حكاياتهم، ويجمعَ مادةً لقصصهِ القادمةِ، كانَ يؤكدُ صفاءَ سيرتهِ ونقاءها، فحياتهُ كانت شفافةً كالماءِ، مليئةً بالصدقِ والإخلاصِ للوطنِ والكلمةِ، تعكسُ هذهِ البساطةُ في حياتهِ فلسفتهُ الأدبيةَ وهي أن تكونَ الكتابةُ صادقةً ونابعةً منَ الواقعِ المعاشِ ومتصلةً بهِ.
رحلَ علي المك عن عالمنا في أكتوبرَ 1992م في نيومكسيكو بالولاياتِ المتحدةِ، وهوَ في الخامسةِ والخمسينَ من عمرهِ، وبقيَ إرثهُ حيًّا. تقرأُ أعمالهُ حتى اليومِ، وتدرسُ في الجامعاتِ، وتلهمُ الشبابَ السودانيَّ الذي يواجهُ تحدياتِ العصرِ، في زمنِ السرعةِ والتواصلِ الرقميِّ، يذكرنا أدبُ عليِّ المكِّ بأهميةِ العودةِ إلى الجذورِ، إلى الحكاياتِ البسيطةِ التي تحملُ في طياتها حكمةَ الأجيالِ، عندَ تحليلِ هذا الإرثِ، نجدُ أنَّ كتاباتهِ تقدمُ نموذجًا للأدبِ الملتزمِ اجتماعياً معَ الحفاظِ على جماليتهِ، مما يجعلهُ مثالاً يحتذى بهِ في عصرنا الحاليِّ، حيثُ يبحثُ الشبابُ عن توازنٍ بينَ الهويةِ والحداثةِ.
يا شبابَ السودانِ عليكم بقراءةِ ما تركهُ بروفيسور علي المك لأنَّ في قصصهِ تجدونَ أنفسكم وتجدونَ الصراعَ معَ الذاتِ، والحنينَ إلى الوطنِ، والأملَ في غدٍ أفضلَ، لقد كانَ علي المك كاتباً وصديقاً للروحِ يهمسُ في أذنِ كلِّ قارئٍ، الحياةُ قصةٌ فاكتبوها بإخلاصٍ، رحمهُ اللهُ وأبقى ذكراهُ خالدةً في وجداننا، مراجعةُ وقراءةُ إرثهِ الثقافيّ والمعرفيّ اليومَ رحلةُ اكتشافٍ للذاتِ وللوطنِ تجعلنا نؤمنُ بقوةِ الكلمةِ وأثرها في تغييرِ الواقعِ الذي نعيشه.












