مشاركة
أحمد حسن حيمورة
يحيرنى أمر الولاء و ربما التعصب الكروى ،فهو خلافاً لولاء العقائد الدينية التى يُنَصِّر و يُهوّد فيه الأبناء بحسب دين أبائهم، و خلافاً للعقائد السياسية التى تلعب الأسرة دوراً مؤثراً و كبيراً فيها، يجد الإنسان نفسه- دون سبب معين – متوشحاً لشعار فريق كروى ما، و يظل ولاءه ثابتاً فى أغلب الاحيان لهذا الشعار طوال حياته خاصة عندما يتعلق الأمر بالاتيام المحلية، التى تتخذ المنافسة فيها قطبية ثنائية فى كافة انحاء العالم .
و تأتى أحيان، يتوزع فيها الولاء بين فريق أثير يأخذ جل الاهتمام والتعصب، وفريق قومى، تقتضى واجبات المواطنة مؤازرته حين يتبارى مع قومية أخرى، و عندها يصبح النشيد الوطنى حادياً، و علم البلاد ملهماً، و لو لسويعات .
و لأننا الأن نعيش نزوحاً بدنياً و نزوحاً نفسياً و نزوحات شتى، ليس أولها و لن يكون أخرها النزوح الكروى؛ فإن فرقنا الأثيرة ظلت فترة طويلة لاجئة، تتبارى فى دوريات دول أفريقية مارست اللعبة بعدنا بعقود، وظل تعصبنا يسافر اليها عبر الوسائط، مؤججاً للنعرة الهلاريخية حتى وسط شعوب تلك البلدان.
ولا يقصّر اتحادنا حين يمتحن صبرنا قبل ولائنا ويطيح بماضى و تأريخ كرة القدم النسائية السودانية التليد، ولا يعبأ الا بجنى أموال المشاركات فى البطولات القارية ، فيزج فيها بلاعبات يعجزن عن اكمال مباراة الى أخرها دون إغماءات، مما يشى بالطريقة التى تم بها (تلقيطهم) دون تأهيلهم، ليطغى الغضب على الولاء و تُطأطأ الرؤوس المتوقعة للنتائج المخجلة، و المشفقة على شعارنا و علمنا الحبيب.
نفس هذا الولاء و بوتيرة أقوى و شغف محبب، يفرض نفسه فى منافسات كأس العالم. لكنه يضحى نوع من الولاء اللحظى الذى يتغير مع تقدم دورات المنافسة، و يتراوح بين التعاطف الإثنى المحصور فى النطاق القارى، و التحيز القومى المتوهم و غير المتوهم.
فى كأس العالم ينطلق تشجيعنا بطريقة لا إرادية لمن يشاركنا نفس الخصائص المظهرية و لمن نتوهم أنه يشاركنا أصلنا و يرتبط معنا بروابط اللغة و الدين واحياناً التأريخ.
نتحمس للرأس الأخضر التى لا نعرفها، حين تهين كبرياء أسبانيا والأورغواي فلا نغضب كثيراً حين (تعكلت)مع السعودية. ونصفق لمن يشاركوننا السحنة من قبيل الكوت دو بوفار و الكنغو و جنوب افريقيا والسنغال و غانا حال تأهلهم. و يتدافع انحيازنا المزدوج -عند بعضنا- لمصر والجزائر و يبلغ ذروته مع المغرب، بينما نأسى على تونس المقصية، و السعودية المثابرة .
ثم نساهر و نساهر، ملاحقة لنتائج الأشباه وذوى القربى الى ان ينتهى دور ال (32)، فيزداد تعصبنا لمن عبر منهم لدور ال(16) و فى عقلنا الباطن قناعة- يلجمها التمنى-أن حد هذه الدول لن يتجاوز دور ال(8). وبالطبع لا ننسى التضامن مع من طالتهم العنصرية الترامبية و يعزينا التباهى بأن الملاعب يغلب عليها سواد سحنة اللاعبين الذى طال بياض الفايكنق، ودمغ اليابانيين بالدكنة فى حارسهم المسمى سوزوكى، و فرض نفسه على أعتى الدول الموسومة ببياض البشرة و برتقاليتها.
و أخيراً و فى الادوار النهائية، يعود التشجيع لسيرته الأولى أو للحالة التى نتوسل فيها الاستمتاع بأداء مشاهير اللاعبين فنغض النظر عن سحناتهم و أجناسهم و أديانهم و تتعلق الأبصار بالأحذية الوردية و ما تفعله بالكرة التى سميت بالتريوندا و تعنى الامواج الثلاثة تيمناً ب (الحيشان الثلاثة) التى تستضيف هذه النسخة من المونديال.
و الى أن نصل الى نهاية المنافسة و درءاً لغيظ الشماتة، أعترف- منذ الأن- أن مرشحى لنيل الكأس ليس على ما يرام.












