الجيلي إبراهيم بلولة
كلما تعثرت خطى الكرة السودانية في مضامير التنافس، واصطدمت طموحاتها بصخرة الواقع المرير، انقسمت الآراء وتشتتت الجهود في معارك فكرية وجدلية لا تنتهي. ينبري فريق يحمّل الاتحاد السيادي وزر الإخفاق وأصل الأزمة البنيوية، بينما يندفع فريق آخر ملقياً بكامل المسؤولية على كاهل الأندية التي نخر السوس في عظام إدارتها. وبين صخب هذا الاتهام وضجيج ذاك الدفاع، يغيب عن الأذهان سؤال استراتيجي أعمق أثراً وأكثر إلحاحاً: ماذا لو لم يكن مكمن الداء في شح الموارد أو في عجز المؤسسات ذاتها… بل في ماهية العقلية وسيكولوجية الإدارة التي تهيمن على تلك المؤسسات وتدير دفّتها؟
إن التاريخ الإداري يعلمنا أن الوجوه قد تتغير، ورئاسة الاتحاد قد تتبدل، ومجالس الإدارات قد يعاد تشكيلها بأسماء رنانة، بل واللوائح قد تُهندس وتُعاد صياغتها مراراً وتكراراً؛ بيد أن طريقة التفكير وجوهر الرؤية إذا ظلّت قيد قوالبها القديمة الراكدة، فإن المخرجات والنتائج ستبقى رهن الرتابة والانتكاس ذاته، مهما تأنقت الأسماء أو تبدلت الأثواب الإدارية.
لقد استقرت القناعات الراسخة والتجارب المؤسسية المتواترة على حقيقة ذهبية: لا يمكن لأي منظومة أو مؤسسة أن تكون أقوى أو تبلغ مدى أرحب من وعي العقلية التي تقودها وتوجه مساراتها. فالنصوص القانونية واللوائح التنظيمية، مهما بلغت من الإحكام والجودة النظرية، يمكن وبسهولة فائقة أن تُفرغ من مضامينها الحية وتتحول إلى هياكل صماء إذا غابت القناعة الحقيقية بها في وجدان القائمين عليها. والحوكمة، مهما بلغت مستويات تقدمها ومحاكاتها للمواصفات الدولية، لن تكون طوقاً للنجاة أو رافعة للنهوض طالما استمر النظر إليها كمجرد عبء إداري، أو متطلب شكلي، أو “صك برستيج” يُعرض صُورياً في المحافل، بدلاً من تمثلها كـ “ثقافة مؤسسية” يومية وعقيدة تشغيلية راسخة.
إن العقلية التي لا تقتات إلا على الحلول الترقيعية المؤقتة، وتستعذب إطفاء الحرائق اللحظية، لن تمتلك يوماً ترف التطلع لبناء مشروع إستراتيجي ممتد لسنوات أو عقود. والعقلية التي ترهن إدارة الأندية الكبرى لردود الأفعال العشوائية ومغازلة العواطف الجماهيرية العابرة، ستبقى أبد الدهر أسيرة للأزمات المفتعلة والديون المتراكمة والارتجال المقيت. وفي المقابل، فإن العقلية المستنيرة التي تؤمن بيقين التخطيط العلمي، وتستمسك بأركان الشفافية المطلقة، وتخضع طواعية لآليات المساءلة والمحاسبة، هي وحدها القادرة على اجتراح المعجزات وتحويل الموارد الشحيحة والمحدودة إلى نجاحات مستدامة تشهد بها الوقائع.
ولهذا التحول المفصلي، فإن البوصلة الرقابية والإصلاحية لا ينبغي لها أن ترتهن للسؤال العقيم: مَن المخطئ؟ بل يجب أن ترتفع وتبحث في جوهر الوعي: كيف نفكر؟
- هل ما زلنا، في غمرة التنافس الراهن، ندير شؤون كرة القدم بمنطق البطولة الخاطفة واللذة الوقتية؟ أم أننا نملك نضج التفكير بمنطق “المشروع القومي الممتد” الذي تُوضع لبناته اليوم لتجني ثمارَه أجيال الغد؟
- هل نقيس معايير النجاح والتميز الإداري بعدد الكؤوس والبطولات الموعودة فحسب، أم بقوة ورصانة ونزاهة المؤسسات التي تملك الأهلية لصناعة تلك البطولات وضمان ديمومتها؟
- وهل ننظر إلى اللوائح والأنظمة الرقابية باعتبارها عقبة وبيروقراطية متعنتة وجب الالتفاف عليها وتجاوزها، أم نراها سياجاً حامياً وحصناً منيعاً يكفل حقوق الجميع ويحقق العدالة للكل؟
إن الاتحاد لا يملك عصاً سحرية، ولا يستطيع الانفراد بإصلاح ثنايا الكرة السودانية بمعزل عن القواعد، كما أن الأندية -مهما بلغت من الجماهيرية والعراقة- لن تذوق طعم النهضة الحقيقية إذا تقوقعت داخل أسوارها وعملت بإنكار وبعزلة عن شركاء المنظومة. إن فجر الإصلاح الحقيقي يبث أولى أشعته عندما تتلاقى الرؤى، وتتوحد القناعات بأن نجاح أي فصيل داخل هذا الجسد الرياضي هو بالضرورة شرط لوجود ونجاح المنظومة بأكملها في تناغم وتكامل تامين.
إن الاستثمار الأكبر والأبقى الذي تفتقر إليه الرياضة السودانية اليوم في مسيرتها التصحيحية، ليس جلب لاعب أجنبي باهظ الثمن، ولا التعاقد مع مدرب ذي صيت عالمي، بل هو الاستثمار البشري والفكري في بناء “عقلية إدارية جديدة”؛ عقلية تؤمن إيماناً لا يتزعزع بأن المنصب العام تكليف وطني ثقيل لا تشريف عابر، وأن القرار الإداري مسؤولية أخلاقية ونظامية كبرى قبل أن يكون سلطة أو صلاحية يتبجح بها، وأن ديمومة واستقرار المؤسسة تسمو وتتقدم دائماً على نرجسية الأشخاص ومصالح الذوات.
فالفارق الحاسم والفيصل الجوهري بين المنظومات العالمية الناجحة وتلك المنظومات المتعثرة القابعة في ذيل القافلة، لا يكمن قط في حجم الإمكانات المادية أو تدفق الأموال، بل يكمن في “طريقة التفكير وطبيعة الحوكمة” التي تدير تلك الإمكانات وتوجهها نحو الغايات المثلى.
بناءً على هذا التأصيل، فإن نهضة الكرة السودانية لن تكتب أولى سطورها من أروقة الاتحاد بمفرده، ولن تولد من جدران الأندية بمفردها؛ بل ستبدأ في ذلك اليوم التاريخي الذي نملك فيه الجرأة والشجاعة الفكرية لتغيير العقلية وتحديث المفاهيم الإدارية التي تديرهما معاً.
وفي الحلقة القادمة: من يصنع البطل الحقيقي… اللاعب أم المؤسسة؟
خبير حوكمة واستدامة القيمة في القطاع الرياضي












