داخل السرب
أيمن مبارك أبوالحسن
عندما أقيمت بطولة الأمم الإفريقية في المغرب العام السابق، انتبه المشجعون داخل الملاعب، وكذلك المشاهدون خلف الشاشات لرجل ظل يقف طوال مباريات منتخب الكونغو بلا حراك وكأنه تمثال. وقد وٌصفت تلك الوقفة في البداية كتصرف غريب من مشجع أراد أن يلفت الأنظار إليه، لكن سرعان ما اتضحت الرسالة عندما لاحظ الناس الشبه الكبير بينه وبين الزعيم باتريس لومومبا، الذي تولى رئاسة الحكومة عام 1960، ولم يمكث في منصبه سوى عام واحد قبل أن يُغتال عام 1961، ليترسخ اسمه في التاريخ الكونغولي والإفريقي بوصفه أحد أهم أيقونات النضال والتحرر.
وظّف هذا المشجع الذكي الشبه الكبير بينه وبين الزعيم لومومبا، وجعل من شخصيته رمزاً للتعريف بذلك المناضل الذي يمثل في الوجدان الكونغولي أيقونة للتحرر والكرامة. وربما أدرك أن بلاده يمكن أن تعرف نفسها للعالم من خلال هذا التجسيد البصري أكثر مما تفعل عبر وسائل أخرى.
انتهت بطولة الأمم الإفريقية دون أن تحقق الكونغو نتائج كبيرة، لكنها خرجت بمكسب إعلامي مهم، إذ تعرّف كثير من الناس، ولا سيما الأجيال الجديدة، على باتريس لومومبا الذي يُعد واحداً من رموز التحرر الإفريقي إلى جانب نكروما، وروبرتو، وأحمد سيكوتوري، وبن بلة وغيرهم.
وخلال مشاركة الكونغو في بطولة كأس العالم، اتجهت الأنظار إلى المنتخب وإلى البلد نفسه، وأصبح العالم يتابع ذلك المشجع، ويرصد تحركاته منذ وصوله إلى المكسيك، ثم كندا، وصولاً إلى منعه من دخول الولايات المتحدة الأمريكية.
خرجت الكونغو من بطولة كأس العالم بعد إقصائها بشرف أمام إنجلترا، لكنها حققت مكاسب كبيرة. فقد ظهر منتخبها بمستوى مشرّف، وقدم أداءً لافتاً لولا سوء الحظ الذي كثيراً ما يقف حجر عثرة أمام المنتخبات الإفريقية في اللحظات الحاسمة، إذ أُقصي منتخب الكونغو في الدقيقة (86)، وهي الدقيقة نفسها التي شهدت خروج منتخب ساحل العاج.
وكما قلت، لم تخسر الكونغو في هذه البطولة، بل حققت مكاسب عظيمة. فقد تعرّف العالم على هذا البلد الذي كان مجهولًا بالنسبة إلى الكثيرين، وهو بلد يقع في قلب إفريقيا، ويحتل ثاني أكبر مساحة في القارة بعد الجزائر، ويُعد من أغنى دول العالم بالثروات الطبيعية، وكان يمكن أن يكون من أكثر الدول ازدهاراً لولا الحروب والصراعات التي عصفت به لعقود، وأعاقت مسيرة التنمية والاستفادة من موارده.
وإذا كانت الكونغو قد ظلت بعيدة عن اهتمام العالم لسنوات، فإن بطولة كأس العالم شكّلت نقطة تحول في حضورها الإعلامي، وكان “للمشجع التمثال” ميشيل نكوكا الذي أصبح أبرز الوجوه في مدرجات مباريات منتخب بلاده، دورٌ بارز في ذلك. فقد أسهم حضوره “الصامت” في إعادة تقديم بلاده إلى العالم، وإثارة فضول كثيرين للتعرف على الكونغو وتاريخها.
فقد اهتمت وسائل الإعلام العالمية بالحديث عن الرجل، ثم انتقلت إلى التعريف بباتريس لومومبا وبالكونغو، واستعرضت تاريخ البلاد ومكانتها في إفريقيا. وقدمت وكالة رويترز تقريراً مفصلًا عن المشجع، وتناولت مكانة لومومبا بوصفه أول رئيس وزراء للكونغو المستقلة ورمزاً للتحرر الوطني، بينما أفردت صحيفة El País الإسبانية تقريراً بعنوان (المشجع الأكثر شهرة)، تناولت فيه كيف تحولت محاكاة تمثال لومومبا إلى رسالة إعلامية وثقافية عرّفت العالم ببلد لم يكن معروفاً لدى الكثير من الناس. كما نشرت مجلة فوغ الأمريكيةVogue تقريراً عن قصة المشجع والرمزية التي يحملها حضوره، في حين تناولت صحيفة وال ستريت جورنال هذه الظاهرة بوصفها واحدة من أكثر القصص الإنسانية لفتاً للانتباه في البطولة.
وأظهرت بيانات قوقل ترند ارتفاعاً كبيراً في الاهتمام باسم الكونغو وباتريس لومومبا خلال الفترة التي انتشرت فيها قصة المشجع الكونغولي على نطاق واسع، بالتزامن مع التغطية الإعلامية العالمية التي حظيت بها هذه الظاهرة.
نجحت الكونغو إذن ولم تخسر، ونجح المشجع نكوكا في توظيف “الرمز” من خلال استثارة فضول الجمهور وإعادة إحياء شخصية أو قضية في الوعي العام. فهذا النوع من الرموز الذكية لا تكتفي بنقل رسالة بشكل تقليدي، بل تدفع وتحفز الناس للبحث والاكتشاف، وهو ما حدث مع باتريس لومومبا والكونغو، حيث تحولت وقفة صامتة لمشجع في مدرجات كرة القدم إلى مدخل للتعريف ببلد كامل.
أحياناً، فعل صغير يكون كافياً ليصنع أثراً كبيراً.












