على حافة الضوء
دكتور عمار برهان
حينَ نقتربُ مِن الشاعرِ السودانيِّ المعروفِ عبدِ القادرِ الكتيابيِّ، ندخلُ إلَى تجربةٍ شعريةٍ مختلفةٍ تسيرُ بهدوءٍ عميقٍ كنبعِ ماءٍ يعرفُ طريقَهُ بينَ الصخورِ، صوتُهُ الشعريُّ المتفردُ يجيءُ مِن خلوةٍ عامرةٍ بالقرآنِ، ومِن إنشادٍ صوفيٍّ يلمعُ فِي الذاكرةِ كمعانٍ لَا تَعرفُ الذبولَ، ومِن مدينةٍ حديثةٍ تفتحُ الدروبَ عَلَى أسئلةِ الحريةِ والمنفَى والوجعِ والإنسانِ، وُلِدَ عبدُ القادرِ عبدُ اللهِ الكتيابيُّ فِي أمدرمان عامَ 1954م، داخلَ أسرةٍ تحملُ ميراثاً دينياً وأدبياً معروفاً بتعليمِ القرآنِ وتداولِ الحكايةِ والقصيدةِ، ومِن ذلكَ الأصلِ الكريمِ خرجت نبرةُ شعرِهِ صافيةً ومتوترةً، تجمعُ بينَ صفاءِ الروحِ وارتباكِ الحياةِ.
تسطعُ أمدرمان فِي قصائدِهِ كذاكرةٍ ومقامٍ وجرحٍ حلوٍ وصوتٍ بعيدٍ، يقرأُ أحدنا قصيدتَهُ فيشعرُ أنَّ المكانَ بيتٌ أولُ، ثمَّ يتحولُ إلَى سؤالٍ كبيرٍ عَن المعنَى حينَ تتغيرُ المدنُ ويبقَى الحنينُ متقداً، فِي شبال موج، وأمدرمانيات، وعَلَى كيفيَ، تظهرُ المدينةُ بهيئةِ معشوقةٍ تسيرُ بينَ الأسطورةِ والشارعِ، تهتفُ وتتعرضُ للعتابِ وتغيبُ وتعودُ، ويقفُ الشاعرُ أمامَ المدينةِ بقلبِ مسافرٍ يعرفُ أنَّ الوطنَ يُبنَى مِن الطينِ والذاكرةِ والناسِ والنداءِ الداخلي.
نشأَ الكتيابيُّ فِي بيئةِ الخلاوَى وحفظَ القرآنَ صغيراً، ثمَّ تلقى التعليمَ النظاميَّ، وسافرَ إلَى مصرَ، وعملَ فِي التدريسِ والصحافةِ والإذاعةِ، وبعدَ ذلكَ انتقلَ إلَىٰ دولةِ الإماراتِ عامَ 1986، وعملَ فِي مؤسساتٍ صحفيةٍ وإعلاميةٍ هناكَ، صنعت هذهِ التنقلاتُ شاعراً يعرفُ الجذرَ والطريقَ معاً ويحملُ فِي لغتِهِ رائحةَ الطينِ والنيلِ، ويجسدُ فِي صورتِهِ قلقَ الإنسانِ المعاصرِ، ذلكَ الباحثُ أبداً عَن معانٍ حقيقيةٍ وسطَ ضجيجِ حياةٍ يزدادُ كلَّ يومٍ.
تتحركُ قصيدةُ الكتيابيِّ بينَ الحداثةِ والتصوفِ فِي توازنٍ لافتٍ، الحداثةُ عندَهُ تظهرُ فِي جرأةِ الصورةِ، وكسرِ التوقعِ، وتحويلِ العبارةِ إلَىٰ مشهدٍ غريبٍ ومضيءٍ، والتصوفُ يظهرُ فِي دورانِ المعنَى حولَ الغيابِ والحضورِ، وفِي إحساسِهِ بأنَّ العالمَ الظاهرَ ستارٌ لعالمٍ أعمقَ، لذلكَ رأَى النقادُ أنَّ تجربة الكتيابي تجمعُ لطائفَ الحداثةِ بهالاتِ الصوفيةِ، وتمنحُ الطرحَ الإنسانيَّ والجماليَّ والوطنيَّ عمقاً خاصاً، والرمزُ الصوفيُّ عندَ الكتيابيِّ طريقةُ رؤيةٍ متفردةٍ للوجودِ ومفتاحٌ يفتحُ القصيدةَ عَلَى دهشةٍ واسعةٍ.
تظهرُ لغتُهُ قريبةً مِن مختلفِ الأجيال حينَ تتخفّفُ مِن الخطابةِ وتذهبُ إلَىٰ الصورةِ الحيةِ، يكتبُ كأنَّهُ يرسلُ رسالةً طويلةً إلَىٰ صديقٍ بعيدٍ، تحملُ حنيناً وسؤالاً، ونكتةً خاطفةً ومرارةً شفيفةً، لذلكَ يستطيعُ القارئ أن يدخلَ عالمَهُ مِن بابِ الإحساسِ قبلَ بابِ المعرفةِ لأنَّ المفردة عندَهُ تحملُ ظلالَ الخلوةِ، ثمَّ تخرجُ إلَى الشارعِ، وتلتقطُ وجوهَ الناسِ فِي المواصلاتِ والأسواقِ والمجالسِ، هذهِ القدرةُ على الجمعِ بينَ الساميِّ واليوميِّ تمنحُ شعرَهُ طاقةً حيّةً، وتجعلهُ صالحاً للقراءةِ فِي زمنِ الشاشةِ والسرعةِ والرسائلِ القصيرةِ، لأنَّهُ يوقظُ رغبةَ القلبِ فِي تلمسِ المعنَى الهادئِ.
ومِن زاويةٍ أخرَى، يرسمُ الكتيابي درساً جميلاً فِي الصبرِ عَلَىٰ النصِّ، فقصيدتُهُ تحتاجُ قارئاً يسمعُ النغمةَ الخفيةَ، ويتتبّعُ اللمعةَ الصغيرةَ، ويثقُ بأنَّ الشعرَ الجادَّ قادرٌ عَلَىٰ مصاحبةِ الحياةِ اليوميةِ بخفّةٍ وعمقٍ، وبقربٍ يليقُ بروحِ القارئِ وأسئلتِهِ فِي كلِّ حينٍ، صدرَ ديوانُهُ الأولُ رقصةُ الهياجِ فِي القاهرةِ عامَ 1982م ثمَّ جاءَ ديوانُ هِيَ عصايَ فِي دُبَيٍّ، وبعدَهُ قامةُ الشفقِ وغيرها، هذهِ العناوينُ تكشفُ جانباً مِن فلسفتِهِ الشعريةِ فالرقصةُ حركةٌ داخلَ العاصفةِ، وعصاهُ رمزٌ للسندِ والمعجزةِ والطريقِ، والشفقُ لحظةٌ معلقةٌ بينَ نهارٍ وليلٍ، وبينَ وضوحٍ وغموضٍ، لذلكَ يختارُ الكتيابيُّ عتباتِ نصوصِهِ بعنايةٍ، كأنَّ العنوانَ بابٌ صغيرٌ يقودُ إلَىٰ غرفةٍ أوسعَ.
فِي شعرِهِ يحضرُ الإنسانُ السودانيُّ بملامحِهِ اليوميةِ والروحيةِ معاً، نجدُ القلقَ السياسيَّ، والحزنَ الوطنيَّ، والخوفَ عَلَىٰ المعنَى، ونلمحُ الدعابةَ الخفيفةَ، والحبَّ، والحنينَ، ومخاطبةَ الذاتِ، قصيدتُهُ تسألُ العاطفةَ مباشرةً، لِمَ نحبُّ، ولِمَ نتمسكُ بالمكانِ، ولِمَ نكتبُ حينَ تضيقُ الحياةُ؟ ومِن ثمَّ تصيرُ الكتابةُ عندَهُ مقاومةً هادئةً للنسيانِ والتشابهِ والفراغِ، مقاومةً تحملُ سلاحَ اللغةِ وطمأنينةَ التأملِ.
منح الشاعر عبد القادر الكتيابي مجال الغناء السوداني بعضَ نصوصِهِ فصار لشعره شعبية أوسع، تغنَّى بنصوصِهِ فنانونَ سودانيونَ مثل مصطفَى سيدِ أحمد، ويوسف الموصلي، وسيف الجامعة، ومنال بدر الدين وغيرهم، وكما نعرف فإنَّ الشعرُ فِي السودانِ يعيشُ فِي الكتابِ والصوتِ واللحنِ والمجلسِ والذاكرةِ الجماعيةِ، وحينَ تتحولُ القصيدةُ إلَىٰ أغنيةٍ تدخلُ البيوتَ وترافقُ السفرَ، وتصبحُ نصاً مسموعاً يلمسُ الناسَ ببساطةٍ وعمقٍ.
سرُّ الكتيابي يكمن في أنَّهُ يجعلُ الشعرَ قريباً مِن القلبِ والعقلِ معاً، يستطيعُ قارئ اليومَ أن يقرأَهُ فيجدَ قلقَهُ الشخصيَّ هناكَ، خوفَ المستقبلِ وحنينَ المكانِ الآمنِ، ورغبةَ الاختلافِ، وحيرةَ القلبِ أمامَ عالمٍ سريعٍ يطلبُ الركضَ وتلك الروح التي تطلبُ التأملَ، لذلكَ تظلُّ تجربةُ عبدِ القادرِ الكتيابي جديرةً بالقراءةِ إذ تجمعُ السودانَ العميقَ والإنسانَ الواسعَ، الخلوةَ والمدينةَ، القصيدةَ والأنشودةَ، السؤالَ الفلسفيَّ واللغةَ القادرةَ على لمسِ القلبِ بأدبٍ وجمالٍ وصدقٍ.













