من سنن الله عز وجل أن هذه الحياة لا تدوم ولا تصفو لأحد مهما كان فلا بد من الرحيل ومغادرة هذه الدنيا الفانية لقوله تعالى {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ}
وفقدان الأم كسرٌ لا يجبره إلا الصبر ، رحم الله أمي الغالية الحاجة بت حاج عمر ود الحبر رحمة واسعة .. لقد كانت تحمل مكانة إجتماعية مرموقة وتؤدي دوراً عظيماً لكونها حرم العمدة خوجلي ” عمدة العوامرة الذائع الصيت بين الناس لمكانته الدينية والأدبية والإجتماعية قبل العمودية فهو حافظا لكتاب الله على يد شيخه الخليفة حسب الرسول ابو غرة وداره دار كرم عامرة بالأهل والضيفان والخلان من كل حدب وصوب .. نعم كل الأهل جزيرة وبحر .. لما لا فهو شيخ عرب وزعيم قبيلة وفخر مسقط راسه افطس العوامره والعوامرة عموم ..
وقبل مزايا زوجها القيادية والإجتماعية والتي اكسبته حب الناس كل الناس دون إستثناء .. مكانتها هي الأسرية ، مولدها ونشاتها فالوالدة الغالية لأمها وابيها صاحبة مكانة دينية عظيمة ، وجاه روحي وعمق صوفي .. نظراً لأنها سليلة بيوت العلم والدعوة .. فهي حفيدة شخصيات تاريخية وروحية بارزة في السودان ، جدها لابيها الشيخ إدريس ود الأرباب الذي يُعرف بلقب “سلطان الأولياء” ويعد من أعظم أقطاب الصوفية ، وله مسيده الشهير في مدينة العيلفون .. وجدها لأمها الفكي إبراهيم ود عيسى مؤسس مدينة المسيد ود عيسى بلد الذكر والذاكرين والتي تحمل إسمه وهو من العلماء والفقهاء والأولياء الاجلاء ..
نشأت والدتي الغالية ( الحاجة بت حاج عمر ) في كنف والدها حاج عمر الحبر ووالدتها حاجة رابعة بت على ود عمر رحمهما الله ، فأحسنا تربيتها وتنشئتها التنشئة الاجتماعية السليمة التي انعكست على قيمها الإيمانية الصادقة ومنهج حياتها التربوي القويم.. فكانت – رحمها الله – مدرسة من الإحسان وحب الخير والعطف والحنان.. بقلبها الكبير الذي احتوى الجميع من الأقارب والأحباب .. كانت دارها دار زوجها العمده خوجلي رحمه الله وابنائها أبناء وبنات العمده عموم دون إستثناء والأهل بأفطس العوامرة ، ملتقى الجميع من الأقارب وقبلة في كل عيد وكل يوم جمعة تستقبل الكبير والصغير وتتواصل مع الجميع, بنفس طيبة, وقلب كبير, وروح نقية.
فالناس منهم من يرحل ويرحل معه ذكره, ومنهم من يرحل جسداً وتبقى سيرته النيرة حاضرة بين محبيه وفي قلوبهم بمآثره وأعماله الصالحة وبنقاء سريرته وحسن أخلاقه وفضيلته .. ( ووالدتي الغالية ) رحلت إلى دار النعيم .. دار الفردوس الأعلى من الجنة ، وبقيت سيرتها محفوظة في الذاكرة والوجدان .. ولا غرابة من ذلك فسيرة والدتنا الغالية وجوانب حياتها تعني تلك الروح الكبيرة والقلب المنيب, وجمال التقوى والصلاح التي كانت تتمتع بها رحمها الله ، مع حزمها وتدينها وهي روح الطرافة والدعابة وزرع الإبتسامة لمن حولها وتضفي على زوارها ومحبيها شيئا من الفرح والسرور والسعادة التي تدخل القلب بعفوية ونقاء السريرة
فقد كانت والدتي الغالية كريمة حد الوصف .. سخية ، متواضعة .. أحبها كل من عرفها عن قرب ، سواء داخل نسيجنا العائلي أو خارجه غير أن رحيلها ترك في القلب لوعة ، وفي النفس حسرة ، وفي نبرات الصوت غصة .. كانت امرأة صالحة ، صبرت على مرضها ومع شدة السقم والمرض والإبتلاء وأثر فيها رحيل ابنها شقيقي الأصغر عمر العمده الذي حمل الأضواء ورحل .. وآلمها فراقه وطوت حزنها عليه تحت عباءة الصبر ، توفي بعيدا عنها .. معنا هنا بالرياض كان محبوبا لديها بل حبيب الكل قريب وبعيد وسنفرد له مساحة لاحقا للحديث عن سيرته العطرة رحمه الله وجعل الجنة مثواه
كانت مدرسة من الصبر والإحتساب والإيمان لقضاء الله وقدره ، لم تفارقها الإبتسامة والبشاشة عندما يزورها الأبناء والأقارب وكل من ألفها وتردد عليها معاودا .. ولأن الإيمان كما يقول أحد الأئمة نصفان .. نصف شكر ونصف صبر ، فقد كانت الراحلة كثيرة الشكر والحمد في كل حال .. ومتمسكة بحبل الصبر المتين ..
كانت تعامل أبناءها وبناتها واحفادها بلين وعطف ولا تفرق بين أحدهم وتشملهم بصالح دعائها وتتمنى لهم صلاح الذرية والتوفيق في حياتهم وتحثهم على الصلاة وفعل الخير والكثير الجميل الذي لا يسع المجال لذكره .. كذلك تسأل كل زائر من الأسرة الكبيرة وممتدة ومن أهلنا ناس الحله وغيرهم قدم للسلام والإطمئنان عليها .. عن حاله ..
كانت وصيتها ان تدفن في مقابر المسيد ود عيسى موطن ابيها وامها واهلها وقد سبقت وصيتها بأيام معدودة قبل رحيلها .. طلبت من أبنائها زيارة المسيد وتوفيت ووري جثمانها الثرى بها عملا بالوصية ،
أسأل العلي القدير أن يجعل ما أصابها تكفيرا للخطايا ، وتمحيصا للذنوب ، ورفعة لدرجاتها .. اللهم إن والدتنا في جوارك فأكرمها بكرمك وارحمها برحمتك .. فأنت الكريم الرحمن .. المنان .. الرحيم .. ونقول ؛ إن العين لتدمع والقلب ليحزن على فراقك امنا الغالية ، أم الحنان والإحسان ولا نقول إلا ما يرضي ربنا العظيم .. {إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ}
إبنك المكلوم/ ابراهيم العمده خوجلي











