وجوه وحكايات
م. محمد الجيلي الشيخ
ذهبتُ إلى الخرطوم لمدة ثلاثه أيام، وعدتُ أمس الأول إلى المملكة العربية السعودية… لكن الحقيقة أنّ شيئًا في داخلي لم يعد.
تركتُ قلبي هناك، معلّقًا على بابٍ محترق، ينتظر أهلًا لن يعودوا، ويبحث عن حياةٍ لم يبقَ منها سوى رمادٍ يتناثر مع الريح.
ما إن وطئتُ أرض الخرطوم…
حتى شعرتُ أنّ الهواء نفسه يبكي.
كان الهواء ثقيلاً، كأنّه يحمل على كتفيه كل صرخات المدينة، وكل دموع الأمهات، وكل الأرواح التي رحلت دون أن تُودّع أحدًا.
كانت الزيارة قصيرة…
لكنها كانت كافية لتُطفئ آخر شمعةٍ في صدري، وتترك مكانها ظلامًا لا يشبه الليل… بل يشبه موتًا بطيئًا.
مشهد الوصول… حين يسقط الإنسان من داخله
حين دخلتُ حدود الخرطوم، شعرتُ أنني أدخل قلبًا مكسورًا، لا مدينة.
رائحة الرماد كانت تخنقني…
رائحة بيوتٍ كانت تضحك، ثم احترقت فجأة، كأن أحدًا انتزع منها الحياة بيدٍ لا تعرف الرحمة.
كنتُ أنظر من نافذة السيارة، وكلما تقدّمتُ خطوة… كان قلبي يتراجع خطوة.
كأن الخرطوم تقول لي بصوتٍ مكسور:
«ارجع… ما ستراه سيهدمك».
الأبراج المحروقة… عظام مدينةٍ ماتت واقفة
رأيتُ الأبراج التي كانت تلمع كأنها نجومٌ على الأرض…
اليوم كانت سوداء، واقفة كأنها عظامٌ مكشوفة لمدينةٍ ماتت واقفة ولم يسمح لها أحد أن تسقط.
لم تكن مبانٍ محترقة…
كانت أجسادًا بلا روح، كأن النار أكلت لحمها وتركت هيكلًا يبكي في الهواء.
كل برجٍ كان يصرخ:
«خذلوني… تركوني أحترق وحدي».
الشوارع… قلوبٌ فارغة تبحث عن أهلها
مشيتُ في الشوارع التي أعرفها…
لكنها لم تعرفني.
كانت تنظر إليّ بعيونٍ ميتة، كأنها تسألني:
«أين الناس؟ أين الحياة؟ أين ضحكات الأطفال؟ أين كل شيء؟»
الشوارع كانت تشبه أمًّا فقدت أبناءها دفعةً واحدة…
فارغة…
مكسورة…
تجرّ خطواتها على التراب كأنها تبحث عن آخر أثرٍ لهم.
حتى الهواء كان صامتًا…
صمتًا يشبه صمت الموتى.
شارع النيل… من حضن العشّاق إلى قبرٍ مفتوح
شارع النيل…
الشارع الذي كان يرقص على ضوء القمر، ويغني مع الموج، ويحتضن العشّاق…
رأيته اليوم مظلمًا كقبرٍ مفتوح ينتظر من يُدفن فيه.
لا بشر…
لا ضحكات…
لا حياة…
فقط ظلامٌ ثقيل، كأن الليل قرّر أن يسكن فيه إلى الأبد.
كان الشارع يهمس لي بصوتٍ لا يسمعه إلا من أحبّه يومًا:
«لماذا تركوني؟ لماذا ماتت خطواتهم؟ لماذا لم يعد أحد؟»
البيوت… جدران تبكي دمًا لا دموعًا
دخلتُ الأحياء…
رأيتُ البيوت التي كانت مليئة بالحياة…
اليوم كانت خاوية كقلبٍ فقد كل أحبّته.
جدرانها كانت تبكي…
نعم تبكي، لكن دموعها لم تكن ماءً…
كانت دمًا أسود، يسيل من شقوقها، يختلط بالتراب، كأن الخرطوم تنزف من حجارتها.
كل جدارٍ كان يصرخ:
«أين أهلي؟ أين الأطفال؟ أين النساء؟ أين الرجال؟ أين أصواتهم؟ أين دفئهم؟ أين حياتهم؟»
لكن لا أحد يجيب…
فالجميع رحلوا، والجدران بقيت وحدها تواجه الريح والدمار.
الخرطوم… مدينةٌ ماتت ولم تجد من يغلق عينيها
يا خرطوم…
يا مدينةً كانت تُشبه الفجر حين يولد…
اليوم رأيتكِ تموتين واقفة، دون أن يجد أحدٌ شجاعةً ليغلق عينيكِ.
رأيتكِ تتنهدين كأمٍ فقدت أبناءها واحدًا تلو الآخر.
رأيتكِ تبحثين عن نبضكِ… عن صوتكِ… عن وجهكِ الذي محته النيران.
رأيتكِ تصرخين بصمتٍ موجع… صرخة لو سمعها العالم لارتجف.
الوجع الشخصي… حين يبكي الوطن داخل الإنسان
لم أبكِ دموعًا فقط…
بل بكيتُ قلبي نفسه.
شعرتُ أن شيئًا في داخلي ينكسر ولا يعود.
كنتُ أقول لنفسي:
«أهذه الخرطوم؟ أهذا وطني؟ أهذه المدينة التي كانت تفتح ذراعيها للجميع؟»
وا أسفي عليكِ يا خرطوم…
لقد خذلوكِ…
لقد تركوكِ تحترقين…
لقد تركوكِ تنزفين حتى جفّ الدم في عروقكِ.
لكن… رغم كل هذا الموت
ورغم كل هذا الخراب…
ورغم هذا الظلام…
ورغم هذا الحزن الذي يغطيكِ من رأسكِ إلى قدميكِ…
يبقى فيكِ شيءٌ صغير…
شيءٌ يشبه نبضة طفلٍ لم يمت بعد.
نبضة تقول إنكِ ستعودين…
وستنهضين…
وستغسلين هذا السواد يومًا ما…
وإن أبناءكِ – مهما تأخروا – سيعودون ليبنوا جدرانكِ من جديد.
الخاتمة… وعدٌ نكتبه بدموعٍ لا تجف
يا خرطوم…
يا جرحًا لا يندمل، ويا وطنًا لا يسقط من القلب مهما سقط من العين…
لقد خذلوكِ، وتركو جراحكِ تنزف، لكنكِ ما زلتِ واقفة، وما زلتِ تنادين أبناءكِ بنداءٍ لا يسمعه إلا من يحملكِ في دمه.
ونحن سنجيب هذا النداء.
سنعود إليكِ لا عابرين، بل أبناءً ينهضون بكِ كما تُنهض الأمّ من سقَطَ أطفالها.
سنرفعكِ من تحت الركام، ونمسح عن وجهكِ غبار الحرب، ونُعيد إليكِ نبضكِ الذي خُنق، وصوتكِ الذي صمت، وملامحكِ التي محتها النيران.
سنعود لنقول للعالم:
هذه الخرطوم…
وهذا وطننا…
وهذه أمّنا التي لا نتركها تبكي وحدها.
وعدٌ نكتبه بدموعنا… وبدمنا… وبحبٍّ لا ينطفئ:
سننهض بكِ، وستعودين، وسيعود كل شيءٍ جميلٍ فيكِ… لأنكِ مدينةٌ لا تموت.











