في الصميم
حسن أحمد حسن
حين يتحول الأب إلى قاضٍ يمنح الحب لابن… ويحرم منه آخر
لا شيء يكسر قلب الطفل أكثر من أن يكتشف أن أباه لا ينظر إلى جميع أبنائه بعين واحدة.
فليس الفقر هو الذي يدمر الأبناء أولًا، ولا قلة الإمكانات، وإنما شعور أحدهم بأنه يعيش في بيت أبيه كمواطن من الدرجة الثانية.
هناك آباء لا يشعرون أنهم يرتكبون جريمة تربوية كل يوم. يمنحون أحد الأبناء كل الحب والاهتمام والابتسامات، بينما يتركون أخاه يتضور جوعًا إلى كلمة حنان.
هذا هو المدلل…
يُعانق، ويُمدح، وتُبرر أخطاؤه، وتُفتح له الأبواب.
أما الآخر…
فلا يسمع إلا:
“أنت فاشل.”
“تعلم من أخيك.”
“لن تصبح شيئًا.”
وكأن الأب نسي أن الكلمات قد تبني إنسانًا، وقد تهدم عمرًا كاملًا.
إن التمييز بين الأبناء ليس مجرد خطأ عابر، بل هو شرارة تشعل نار الغيرة، وتزرع الحقد بين الإخوة، وتقتل روح الأسرة من الداخل. فكم من ابن غادر منزله لأنه لم يجد فيه حضنًا يحتويه، ولا كلمة تقدره، ولا أبًا ينصفه.
بعض الآباء يظنون أن التفضيل وسيلة لتشجيع الأبناء، لكنهم لا يدركون أنهم يصنعون طفلًا مدللًا لا يعرف قيمة المسؤولية، وفي المقابل يصنعون طفلًا آخر يحمل في صدره جرحًا قد يرافقه مدى الحياة.
أيها الأب…
أنت أول مدرسة، وأول قدوة، وأول ميزان للعدل داخل بيتك. فإذا اختل ميزانك، اختلت نفوس أبنائك.
لا تجعل أحد أبنائك ينام وهو يتساءل:
“لماذا يحب أبي أخي أكثر مني؟ ماذا ينقصني؟”
هذا السؤال قد يتحول مع الأيام إلى ألم صامت، ثم إلى غضب، ثم إلى قطيعة، وربما إلى انحراف أو هروب من البيت بحثًا عن مكان يشعر فيه بقيمته.
إن العدل بين الأبناء ليس ترفًا، بل هو مسؤولية عظيمة. فالابتسامة يجب أن تتسع للجميع، والكلمة الطيبة حق للجميع، والاحتضان حق للجميع، والإنصاف واجب لا يسقط بالتقادم.
أيها الآباء… تذكروا أن أبناءكم سيكبرون، وستبقى في ذاكرتهم كل كلمة قلتموها، وكل موقف شعروا فيه بالإنصاف أو بالظلم. فلا تتركوا خلفكم أبناءً يحملون في قلوبهم جراحًا سببها بيت كان يفترض أن يكون أكثر الأماكن أمانًا.
اعدلوا بين أبنائكم في الحب والاهتمام والرحمة، فإن الأسرة التي يسودها العدل تبقى متماسكة، أما الأسرة التي يسودها التفضيل، فإن شقوقها تبدأ من القلوب قبل أن تظهر على الجدران.











