تيارات)
إبراهيم العمدة خوجلي
هذا من ولاية الجزيرة، وذاك من الولاية الشمالية، وآخر من ولاية البحر الأحمر، ورابع من النيل الأزرق، وغيرهم من ولايات دارفور… وهكذا يكتمل جوهر هذا «التلاقي الولائي» عندما يُترجم إلى عمل وطني خالص، يتجاوز التحيزات الطائفية والعشائرية والفئوية، وينبذ التعصب، ويعمل بروح الفريق الواحد من أجل بناء مستقبل مشرق يعني الجميع في وطنٍ يسع الجميع، دون تمييز أو تفاضل.
فالتعصب المناطقي غير مرحب به، لأنه خصمٌ على الوطن، وتبرز سلبياته عندما يُقيَّم الإنسان بناءً على مكان انتمائه، لا على أخلاقه وكفاءته. فهذه الظاهرة تُضعف الثقة بين أفراد المجتمع، وتزرع الفرقة، وتحرم الوطن من الاستفادة من الطاقات والكفاءات.
ويجب ألا يكون الانتماء أهم من الاستحقاق، لأي سبب كان، ما دامت النظرة وطنية خالصة، ومبرأة من المصالح الذاتية. كما ينبغي أن يكون اختلاف المناطق واللهجات والعادات مصدرًا للثراء الفكري والتنوع الثقافي، لا سببًا للنزاع والانقسام. وقد دعا الإسلام إلى نبذ العصبية، وجعل معيار التفاضل بين الناس هو التقوى وحسن الخلق، لا المنطقة ولا النسب.
ويبقى المجتمع أكثر قوة وتماسكًا عندما تكون الأخلاق والكفاءة أساسًا للتعامل بين أفراده، بعيدًا عن التحيز والتمييز.
ومن المفارقات الاجتماعية التي نلحظها أننا نشتاق إلى القرب، ثم نبني بيننا وبين من نحب جدرانًا ومسافات لا داعي لها. ونبحث عن المحبة، لكننا نخشى فقدانها، فنخفي مشاعرنا أو نبتعد قبل أن تصيبنا الخيبة.
ونحلم دائمًا بحياة أجمل، لكننا نؤجل الخطوة الأولى، وكأن الغد سينتظرنا. وأكثر ما يُرهقنا أننا ننتظر أن يتغير كل شيء من حولنا، بينما يبدأ التغيير الحقيقي من داخلنا.
ولعل هذه التناقضات ليست سوى جزء من طبيعة حياتنا وتجربتنا، بعد الذي مررنا به وتجرعنا مراراته. وكل ذلك يدعونا إلى أن نتأمل أنفسنا وعلاقاتنا، وأن نعيد النظر في الطريقة التي نعيش بها. فالحياة ليست، كما نظن، أحداثًا كبيرة تصنع الفارق، بل قد يصنعه موقف صادق، أو كلمة طيبة، أو قلب يحسن الفهم قبل أن يصدر الأحكام.
ملاحظة تحريرية: استبدلت عبارة «وطن حدادي مدادي» بـ «وطنٍ يسع الجميع» لأنها أكثر فصاحة ووضوحًا للقارئ العام، أما إذا كان الكاتب يقصد الإبقاء على التعبير الشعبي لخصوصيته الأسلوبية، فيمكن الإبقاء عليه كما هو.













