( تيارات )
ابراهيم العمده خوجلي
وزي ما قال فيها جبارة ود الحسن في مسدار ودمدني ؛
قرب ألتي ضارب بوري للقدام
شايل للمحارب النقرة والحوام
مسيكة الكتة قبال ياخدا العوام
احفظ ليها يا ود عيسى أبقى إمام
يا ود عيسى يا شيخ العلم جاياك
بريريبة مقاطعة حيامة الشراك
من العين تقيف ليها وتكون في حماك
يا أهل الصلاح أنا كل سفرة معاك
أدلف إليها من أي اتجاه ومنحى، لأن كل شيء فيها جميل، ورغم ذلك تحوي التواضع والغنى بالقناعة، على قول جدهم ود عيسى، كما تعلمنا من السلف: (لا تغنوا فتفوتوا، ولا تفقروا فتموتوا). ويكفي سوقها الجالب، واسمها الجاذب: (مسيد ود عيسى العلامتو الريسة)، وأكتفي بهذه الجزئية.
ضفاف النيل في المسيد ود عيسى فيها من الجمال والروعة والمناظر الخلابة ما يدهشك بصفائه ونقائه. نزلنا إليه ورودًا في هدوئه وفيضانه (دميرته)، وتعلمنا فيه كل فنون العوم؛ الكتّة، وعوم الظهر، والغطس، وغيرها. قطعنا عوم الجزيرة دون خوف أو وجل، في تحدٍّ بين بعضنا البعض ونحن في عنفوان الشباب، إذ يقول أحدنا: (قاطعين، البجي راجع ما راجل وخواف…). فكنا نقبل التحدي، ونغامر، ونعوم متسابقين، همنا الوصول، وآخر ما نفكر فيه الغرق.
نعم، كنا نتردد على البحر يوميًا، رغم مراقبة المدرسين ومعاقبتنا في طابور الصباح، والجلد بمطارق النيم، نتيجة شكاوى الأسر ووفود الطلبة المتجسسين، وحصار الأهل لنا بين الفينة والحين. وبرضو نعود، ومرة نحمل جباداتنا، نصطاد أسماكه، ونباري القيف، ونلعب ونلهو في كثبان رماله الجميلة المنحدرة على حوافه، وحتى كوانيه ومياهه الراكدة، التي كانوا يهددوننا بوجود التماسيح فيها حتى لا نصلها.
ونواصل لعبنا ولهونا بفرح وعفوية، ولا نبالي بحديثهم ورواياتهم، ولا ننسى أوقات العصرية والليالي القمرية، نستمتع بشدو أنغام الشباب وهم يجرون بروفاتهم في تلك الليالي، وجمال النيل ونسيمه العليل، الصادق ود العلوي، ومحمد ود مصطفى، وأولاد الخير، وغيرهم كثير.
ولا أنسى عبورنا له بمعدية كترانج إلى الجروف والخضرة والجمال، ونحن نزور شيوخنا وساداتنا البادراب بأم ضوابان شرق النيل. وحتى في أفراح الأهل، وسيراتهم في الأعراس مع الأصيل وقبل الغروب، وطقوس أهازيجهم وسط صخب الإيقاع، وزغاريد الحسان، وهن يشدون:
عدّي بينا يا ريس،
عدّي بينا بالبنطون، وأحرق سمار اللون.
والسيرة مرقت عصر، زايرة الشيخ ود بدر، و:
يا مسيد ود عيسى العلامتو الريسة،
وعريسنا ورد البحر، قطع جرايد النخل.
وكأن ذلك النيل يمثل أهلها الطيبين؛ يتوافد عليه الناس بكثرة، مما أكسبه بهاءً وجمالًا أخاذًا.
هذه صور في الذاكرة لبلد ترعرعت ونشأت فيه، وتعلمت ونهلت من معينه الذي لا ينضب، مع كامل احترامي لأهلي بأفطس العوامرة، أهل والدي ووالدتي، وأسرتي الصغيرة والكبيرة، وكل ناس الحلة والعوامرة عمومًا. وكذلك صور لخضرتها، وجزيرتها، وطرفة (بفتح الطاء)، للشخوص، وغروب الشمس على ضفاف النيل، وللجمال.
ونظرة إلى تلك اللحظات التي تعني لي لحظات خالدة، لا يمكن أن أنساها مهما طال العمر أو قصر، في بلد جدي وجدتي لأمي، رحمهما الله، بلد أخوالي وخالاتي، وكل أهلي الأنصار أحفاد ود عيسى، والمحس أحفاد الشيخ إدريس ود الأرباب، بل إن المسيد كلهم أهلي، ولا أنسى الأصدقاء وزملاء الدراسة، والكثير المثير الرائع الجميل.
كلي أمل أن تستمتعوا بها وأنتم تشاهدونها، ولو من على نافذة مركباتكم، أيها المسافرون بطريق مدني، مجيئًا وذهابًا، من وإلى الخرطوم، لتخفيف معاناة السفر، بموقعها المتميز، وطبيعتها الخلابة، وجمالها الأخاذ، أسوة بكل قرى الجزيرة المحاذية للنيل الأزرق.
استرجعوا من خلالها الماضي والتاريخ، فهي عبقه… وياهو ده السودان.











