في الصميم
حسن أحمد حسن
هناك جرائم لا تُرتكب بيدٍ واحدة… بل بأيدٍ كثيرة، بعضها يعمل، وبعضها يخطط، وبعضها يشاهد في صمت.
ومن أخطر ما يُمارس في الخفاء – وفق معتقدات كثير من الناس – الذهاب إلى الدجالين والمشعوذين طلبًا للإضرار بالآخرين، سواء كان ذلك بدافع الحسد أو الحقد أو الانتقام. وإذا وقع مثل هذا الفعل، فإن المسؤولية الأخلاقية لا تقف عند من قام به، بل تمتد أيضًا إلى كل من يعلم به ويتستر عليه أو يعين صاحبه أو يشجعه.
تخيل أن إنسانة تثق في صديقتها… تفتح لها قلبها، وتشاركها أسرارها، بينما تلك الصديقة تخفي عنها ما يضمره قلبها من كراهية. ثم تذهب – بحسب ما يُدَّعى – إلى ساحر أو مشعوذ تريد أن ترى حياة غيرها تنهار.
ثم تبدأ المصائب تتوالى على الضحية… بيت يتفكك، خلافات لا تنتهي، رزق يتعثر، تجارة تخسر، وأحلام تتساقط. وقد يفسر الناس ذلك بأسباب مختلفة، لكن هناك شخصًا يقف في زاوية المشهد، يعلم ما حدث أو يزعم أنه يعرف الحقيقة، ومع ذلك يختار الصمت.
هذا هو المسكوت عنه.
الصامت هنا ليس بريئًا من الناحية الأخلاقية إن كان يعلم بوجود ظلم أو أذى متعمد ويستطيع الإبلاغ عنه أو نصح صاحبه أو منع الضرر وفق الوسائل المشروعة، ثم يختار السكوت. فالصمت على الظلم قد يتحول إلى مشاركة فيه.
ما أقسى أن ترى إنسانًا يتألم، وأنت تحمل في صدرك معلومة قد تساعد على كشف الحقيقة أو منع استمرار الأذى، ثم تقرر أن تلوذ بالصمت بحجة: “لا شأن لي.”
بل شأنك كل الشأن… لأنك تعلم، والعلم مسؤولية.
وما أكثر الوجوه التي تتزين بالابتسامة، بينما تخفي وراءها أسرارًا لو خرجت إلى النور لسقطت أقنعة كثيرة.
إن الدجل والشعوذة من المحرمات، وهو طريق يقوم على الخداع واستغلال الناس وإفساد العلاقات، ولا يجوز اللجوء إليه أو تصديقه أو إعانته. كما أن نشر الاتهامات بلا بينة أو الجزم بأن شخصًا قد سُحر ليس أمرًا مشروعًا، لأن كثيرًا من المشكلات لها أسباب واقعية ونفسية واجتماعية يجب التعامل معها بالحكمة والعدل.
لكن الرسالة الأخلاقية تبقى ثابتة: لا تكن معينًا على الظلم، ولا ساترًا للمفسدين، ولا شاهد زور بالصمت.
فكم من إنسان عاش سنوات يتساءل: لماذا تغيرت حياتي؟ ولماذا انقلب المقربون عليّ؟ بينما كان شخص قريب منه يعرف خيوط القصة، واختار أن يغلق فمه، ويتركه يحترق بالحيرة.
ليس كل من أمسك لسانه حكيمًا… فهناك صمت يقتل، وصمت يهدم، وصمت يجعل صاحبه شريكًا في استمرار المأساة.
ويبقى السؤال الذي سيلاحق كل من يعلم بالحقيقة ويخفيها:
كيف تنام مرتاح الضمير، وأنت ترى إنسانًا يتعذب، بينما اخترت أن يكون الصمت هو صوتك؟











