أحد أبرز نجوم الهلال والكرة السودانية في الثمانينيات




الأخلاق الرفيعة زادت من شعبيته الكبيرة
موهبة صنعت مجداً في الملاعب السودانية
وقع للهلال بعد تجربة احتراف في السعودية
من الملاعب إلى عالم التدريب والإنجاز
مدرب ناجح وسفير للكرة السودانية بقطر
عماد أحمد ـ آكشن سبورت
ارتبط اسم الكابتن جعفر عبد الرازق بواحدة من أجمل فترات الكرة السودانية، عندما كان الإبداع والمهارة عنواناً للمباريات، وكانت المدرجات تهتف باسمه مع كل لمسة ساحرة أو مراوغة خاطفة. فقد كان لاعباً استثنائياً جمع بين الموهبة الفطرية والالتزام والانضباط، فاستحق أن يكون أحد أبرز نجوم الهلال والمنتخب الوطني في عقد الثمانينيات. ولم يكن لقب “ملك البدالات“ الذي أطلقته عليه جماهير الهلال مجرد وصف لمهاراته، بل شهادة على لاعب امتلك قدرة نادرة على تجاوز المدافعين وصناعة الفارق في أصعب المباريات. وبعد أن أسدل الستار على مسيرته لاعباً، فتح صفحة جديدة أكثر إشراقاً في عالم التدريب، مواصلاً عطاءه داخل السودان وخارجه، ليبقى نموذجاً للرياضي الخلوق الذي جمع بين الموهبة والعلم والتواضع.
البدايات
ولد جعفر عبد الرازق جابر في حلة خوجلي، وتلقى تعليمه الأولي بمدرسة حلة حمد، ثم واصل دراسته بالكلية القبطية، قبل أن ينال درجة البكالوريوس في التاريخ من جامعة القاهرة فرع الخرطوم.
وكغيره من نجوم جيله، بدأت رحلته مع كرة القدم في ملاعب الأحياء، حيث برزت موهبته في مباريات “الدافوري”، قبل أن ينتقل إلى فريق الإخوة برابطة كوبر، الذي شهد بدايات تألقه الحقيقي.
أسرة رياضية
نشأ جعفر في أسرة عُرفت بعشقها لكرة القدم، فوالده الراحل عبد الرازق جابر كان قائداً لفريق توتي في ثلاثينيات القرن الماضي، فيما سار جميع أشقائه على النهج نفسه، ولعبوا لأندية مختلفة، بينهم العامل، والكوكب، والكفاح، والنسور، والتحرير، والعباسية، وهلال بورتسودان.
وعندما احتدم الصراع بين ناديي كوبر والعامل للفوز بتوقيعه، حسم والده الأمر، مطالباً ابنه بتمثيل نادي العامل باعتباره نادي الحي الذي تقيم فيه الأسرة، لينصاع الجميع لرغبته، في موقف يجسد احترام الأسرة لقيم الانتماء.
التألق المبكر
لم ينتظر جعفر كثيراً ليؤكد موهبته، ففي أول مباراة رسمية له مع العامل أمام النيل الخرطومي، سجل هدفي فريقه في المباراة التي انتهت بفوز العامل بهدفين دون مقابل، لتكون البداية المثالية لمسيرة لاعب أصبح سريعاً حديث الوسط الرياضي.
وبفضل مستواه اللافت، دخل دائرة اهتمام كبار الأندية، وكان قريباً من الانتقال إلى المريخ، قبل أن تتغير وجهته نحو تجربة احترافية خارج السودان.
محطة الاحتراف
تلقى جعفر عرضاً من نادي الخليج السعودي، الذي كان ينشط آنذاك في دوري الدرجة الأولى، فخاض تجربة احترافية استمرت موسماً كاملاً، عاد بعدها أكثر نضجاً وخبرة.
وعقب انتهاء التجربة، نجح الهلال في كسب توقيعه عام 1980، ليبدأ فصل جديد في مسيرته الكروية.
نجم الهلال
لم يحتج جعفر إلى وقت طويل ليفرض نفسه داخل التشكيلة الزرقاء، فقد جاء إلى الهلال لاعباً مكتملاً بعد تجربة الاحتراف، وسرعان ما أصبح أحد أعمدة الفريق وأحد أهم مفاتيح الانتصارات.
امتاز بسرعته الكبيرة، ومراوغاته المجدية، وقدرته على صناعة الأهداف وتسجيلها، حتى أصبحت جماهير الهلال تهتف باسمه في كل مباراة: “جعفر… جعفر“، في مشهد ظل محفوراً في ذاكرة المدرجات.
تنقل بين مركزي رأس الحربة والجناح الأيمن، وأثبت نجاحه في كل موقع شغله، رغم الرقابة العنيفة واللصيقة التي كان يتعرض لها من المدافعين، لكنه ظل مثالاً للاعب الهادئ، لا ينجرف إلى الاستفزاز، ولا يبادل الخشونة بمثلها.
ملك البدالات
اشتهر جعفر بمهاراته الفائقة في المراوغة، حتى منحته جماهير الهلال لقب “ملك البدالات“، كما لقبته بـ”جارنشيا”، تشبيهاً بالنجم البرازيلي الشهير.
ومن أشهر مواقفه، تلك اللقطة التي شهدتها مباراة الهلال والأهلي مدني في كأس السودان عام 1982 تقريباً، عندما راوغ الظهير الأيسر بطريقة مذهلة، فسقط أرضاً، وفي اللحظة نفسها كان الظهير الأيمن قد سقط أيضاً، في واحدة من اللقطات التي لا تزال تتردد حتى اليوم بين عشاق الكرة السودانية.
المنتخب الوطني
امتد تألق جعفر إلى المنتخب السوداني، حيث شارك في العديد من المباريات الدولية، كما كان ضمن منتخب الخرطوم الذي واجه نادي ليفربول الإنجليزي في مباراته التاريخية عام 1983.
وكان أيضاً أحد نجوم هلال 1987 الذهبي، وأسهم في تحقيق العديد من البطولات المحلية، فيما كانت آخر مبارياته الدولية بقميص الهلال أمام الأهلي المصري في ذهاب نهائي البطولة الأفريقية.
مسيرة تدريبية
بعد اعتزاله عام 1989، لم يبتعد جعفر عن المستطيل الأخضر، بل اتجه إلى التدريب، بعدما حصل على عدد من الدورات التأهيلية، ليقود مسيرة ناجحة مع عدد كبير من الأندية، بينها الهلال، وود نوباوي، والرابطة، وبري، وتوتي، والعامل، وكوبر، والتحرير، والأمير، وشمبات، وهلال كادقلي، وأهلي شندي، والجبل كريمة، وحي العرب حلفا، وأهلي القضارف، والرابطة كوستي، وهلال الأبيض، والميرغني كسلا، ونجح في قيادة أكثر من فريق للصعود إلى الدوري الممتاز.
عطاء متواصل
وفي عام 2013، انتقل إلى دولة قطر، حيث يواصل عمله مدرباً لفرق المراحل السنية بنادي المرخية، إلى جانب دوره المعروف في دعم الأندية والمنتخبات السودانية التي تقيم معسكراتها في قطر، مقدماً خبراته في صمت، بعيداً عن الأضواء.
وفي يناير 2021، نال شهادة المحاضرين من الاتحاد القطري لكرة القدم، لتضاف إلى سجله التدريبي الحافل.
قدوة رياضية
سيظل جعفر عبد الرازق واحداً من أنقى النماذج التي قدمتها الكرة السودانية؛ لاعباً موهوباً، ومدرباً ناجحاً، وإنساناً عرفه الجميع بدماثة الخلق، واحترام المنافس، والإخلاص لشعاره، فاستحق أن يبقى اسمه محفوراً في ذاكرة جماهير الهلال والرياضة السودانية، ليس فقط لأنه كان “ملك البدالات“، بل لأنه كان مدرسة في الفن والأخلاق والوفاء.













