د. أحمد قاسم
يُعدّ حي السجانة والمايقوما واحدًا من أعرق أحياء الخرطوم، ليس بما يحتله من موقع في الجغرافيا فحسب، بل بما رسّخه عبر تاريخه الطويل من قيم إنسانية واجتماعية نبيلة، جعلت منه مثالًا حيًّا للتآلف، والتكافل، والكرم، وحسن الجوار. فهو حيٌّ اجتمعت فيه الأصالة مع عمق الانتماء، وتشابكت فيه العلاقات على نحوٍ أفرز نسيجًا اجتماعيًا متماسكًا قلّ أن يوجد له نظير.
عرف هذا الحي، منذ عقود بعيدة، بأهله الكرام الذين توارثوا المروءة جيلاً بعد جيل، فكانوا سندًا لبعضهم في الشدائد، وشركاء في الأفراح، وحاضرين بقوة في المآتم والمسرّات على السواء. ففي المصاب، تراهم في مقدمة الصفوف، يتعاونون في تجهيز الجنازات، ومؤازرة الأسر المنكوبة، وإقامة مجالس العزاء بما يليق بالموقف من وقار ومواساة. وفي الفرح كذلك، يتجلّى الحي في أبهى صوره، حيث تتحول المناسبات إلى تظاهرات للتكافل والمشاركة، ويتقدّم الشباب والرجال والنساء بروح الأسرة الواحدة، لا يثنيهم إلا الحرص على إتمام الواجب بأجمل صورة وأكرمها.
وقد تميّز حى السجانة والمايقوما أيضًا بسمو القيم الاجتماعية، فالجيرة فيه عهد، والجار فيه أهل، والبيت فيه امتداد لبيت آخر، والأبناء فيه إخوة، والبنات فيه مصونات بأعين الجميع وقلوبهم. وفي هذا الحي، إذا غابت الأم حضر دفؤها في أمهات الجيران، وإذا ضاق الإنسان وجد من يوسّع عليه بالمحبة والمساندة، حتى غدا الحي مدرسةً في الوفاء، ومجالًا تتجسد فيه أرفع معاني الأخوة الإنسانية.
ولم يقتصر عطاء المايقوما والسجانة على الجانب الاجتماعي، بل كان أيضًا مهدًا للموهبة، ومنبعًا للكفاءات، ومصنعًا للرجال الذين جمعوا بين الرياضة والعلم والفن . فقد أنجب مواهب كروية لامعة، تخرّجت من مدارس فريق العامل و العلم الرياضي وفريق الأمراء برابطة المايقوما،وإن لم يُطِلْ بها المقام في دروب وميادين اللعب، فقد تركت في القلوب أثرًا لا يزول، وفي الذاكرة شذىً لا يخبو، وظلّت سيرتها شاهدًا على موهبةٍ صادقةٍ وحضورٍ أحبّه الناس وبقي فيهم حيًّا.
فمنه خرجت أسماء لامعة على سبيل المثال لا الحصر الراحل المقيم ربيع إبراهيم زمبر، أول لاعب من الحي يرتدي شعار الهلال، والراحل المقيم صلاح محمد طه ارتدى شعار المريخ العاصمى ، و الراحل المقيم الفنان عثمان حسين، أيقونة الغناء العاطفي، والراحل المقيم سيد أحمد خليفة، منبر الصحافة، و الراحل المقيم إسماعيل حسن، أمير الشعر والأغنية السودانية الأصيلة.
كما قدّم الحى أبناءً واصلوا دروب التعليم حتى بلغوا مراتب عالية في الجامعات، وصار منهم الدكاترة والاستشاريون والأساتذة فصاروا فخراً للحى ولاهلهم ولأبنائهم، ومنهم من حملته الحاجة إلى الهجرة، غير أن الحي بقي حاضرًا في الذاكرة، راسخًا في الضمير، لا يغادر القلب مهما ابتعدت المسافات.
إن حى السجانة والمايقوما ليسا حيًّا من أحياء الخرطوم فحسب، بل هما صفحة ناصعة من تاريخها الاجتماعي، ومرآة صادقة لقيم السودان الأصيلة، حيث الكرم عنوان، والوفاء نهج، والتكافل سِمة، والانتماء هوية. وهكذا يبقى هذا الحي شاهدًا على أن المكان قد يَصغر في الخرائط، لكنه يكبر في القلوب حين يَعمُر بالمحبة والإنسانية والمروءة.













