كمال إدريس
عاد سكان الخرطوم والمدن الأخرى من رحلة النزوح القسرية المؤلمة، وبدأ أعمال الترميم والإصلاح في شكل ملاحم جماهيرية يقودها الشباب والشابات، والفضة ماتزال في الحلق، لماذا حدث كل هذا الدمار، ولمصلحة من؟!
عاد الناس وفي محاولات لمعرفة الايادي الآثمة التي تطاولت على حقوقهم، أموالهم، بيوتهم وأعمالهم ومدخراتهم.
صيد الكاميرات -التي كانت تعمل – حقق مفاجٱت لاتحصى، أهمها أن الدمار تم على يد مليشيات الدعم السريع، أما السرقات وإفراغ البيوت من أجهزتها ومعداتها فقد أوضحت الكاميرات أن من قام بذلك هم “الرائعون”.
حبر كثيف جرى افراغه تحذيرا للسلطات بضرورة الاهتمام بشريحة “الرائعين”، تكاثرت أعدادهم في الشوارع وتحت أغطية المجاري، حيث يمارسون حياتهم الطبيعية و”قطن السلسيون” علامة فارقة تفضحهم في رابعة نهار الخرطوم، فماذا فعلت سلطات بلادي لهذه الشريحة التي يحاول الجميع غض الطرف عنها رغم أنها أصبحت واقعا حقيقيا!!.
“الرائعون” أو “الشماشة” كانوا أبطالا في مأساة الخرطوم، وفقا للكاميرات التي كشفت استباحتهم للمدن الفارغة من السكان.
لكن القضية لا تنتهي عند حدود توثيق الجريمة أو كشف مرتكبيها، فالأخطر هو السؤال الذي ينبغي أن يواجه الدولة والمجتمع معاً، وهو: كيف تُركت هذه الظاهرة حتى تحولت إلى تهديد حقيقي للأمن والاستقرار؟
“الشماسة” أو أطفال الشوارع ليس ظاهرة طارئة فرضتها الحرب وحدها، بل هي نتاج سنوات طويلة من الفقر، والنزوح، والتفكك الأسري، والتسرب المدرسي، وضعف مؤسسات الرعاية الاجتماعية. وقد جاءت الحرب لتضاعف حجم المشكلة بصورة غير مسبوقة، بعد أن فقد آلاف الأطفال أسرهم أو مصادر إعالتهم، وأصبح الشارع هو الملاذ الوحيد لهم.
تقديرات منظمات دولية تشير إلى أن السودان يواجه واحدة من أكبر أزمات الطفولة في العالم، إذ يحتاج أكثر من 15 مليون طفل إلى مساعدات إنسانية، بينما أدت الحروب إلى نزوح ملايين الأشخاص، كثير منهم من الأطفال غير المصحوبين بذويهم أو المعرضين لخطر الاستغلال.
منظمات الأمم المتحدة ظلت تحذر من أن الأطفال أصبحوا أكثر عرضة للتجنيد، والاستغلال الاقتصادي، والانخراط في أنشطة إجرامية نتيجة غياب الحماية الاجتماعية.
إن استمرار وجود مجموعات من الأطفال واليافعين في الشوارع، يتعاطى بعضهم المواد الطيارة مثل الغراء والمذيبات، ويحملون الأسلحة البيضاء، يعني أننا أمام قنبلة اجتماعية موقوتة، لن تتوقف آثارها عند السرقات أو الاعتداءات الفردية، بل قد تمتد إلى تشكيل بؤر للجريمة المنظمة إذا لم يتم التدخل العاجل.
المطلوب اليوم ليس حملات أمنية موسمية فحسب، وإنما مشروع وطني متكامل، يبدأ بحصر هذه الفئة، وإنشاء مراكز للإيواء والتأهيل والعلاج من الإدمان، وإعادة دمج الأطفال في التعليم والتدريب المهني، مع ملاحقة الشبكات التي تستغلهم في السرقة أو ترويج المخدرات أو غيرها من الأنشطة الإجرامية.
إن إعادة إعمار الخرطوم لا تعني تشييد الجدران فقط، وإنما إعادة بناء الإنسان أيضاً. فالمدينة التي نجحت في إزالة آثار الحرب من شوارعها، لن تنجح في استعادة أمنها إذا تُرك أطفال الشوارع نهباً للإهمال، أو تُركت عصابات الاستغلال تعبث بمستقبلهم ومستقبل الوطن. فالسودان اليوم أمام اختبار حقيقي، إما أن ينقذ هؤلاء الأطفال فيصبحوا طاقة للبناء، أو يتركهم للشارع فيصبح الشارع هو الذي يعيد تشكيل مستقبل البلاد، وهي فاتورة ستكون أفدح بكثير من تكلفة إعادة إعمار الحجر.













