علــى نــــــــــار هادئـــــــة
خالد محمد الباقر
في ديوان التاريخ الرياضي الشامخ، وداخل دهاليز قلعة العز، نادي الأهلي شندي، حيث تُرسم خطى المجد على أديم الصحراء، وتزأر النمور في ساحات الوغى، تدور رحى معركة صامتة تعزف ألحان الفرقة على وتر واحد.
إنه احتراب في غير معترك، وتشظٍ في زمن تكالبت فيه النوازل على الكيان، فبات السؤال المعلّق على شرفات الحيرة: أليس في القوم عاقل يوقف هذا النزيف الضميري؟
تتناهى إلى الأسماع أصوات الفريقين، وكأنما تُقرع طبول الانقسام حول مشروعية جمعية عمومية باتت عنوانًا لاختبار النوايا وامتحان الضمائر.
فريق يرى في إنفاذ إجراءاتها القانونية طوق نجاة، وضرورة لترسيخ شرعية البناء الإداري، بينما يرفع الفريق الآخر راية الرفض المطلق، مصرًا على تأخير الجمعية العمومية، لعدم شرعية قوائم العضوية الحالية، التي تتجاوز رموز النادي ولا تعبر، البتة، عن القاعدة العريضة لنادٍ بحجم الأهلي شندي.
وهؤلاء المعارضون، في خلواتهم، يؤكدون بلا لبس أنهم ما أتوا رغبة في منصب، ولا سعيًا وراء سلطة بريقها زائل، بل هم حراس لهيكل التاريخ، يشدون على أيدي لجنة تسيير أنجزت وأبدعت، لكنهم يرفضون أن تُبنى شرعية الغد على أنقاض تهميش الرواد، وإقصاء من خطوا الحرف الأول في سفر المجد.
تلك، لعمري، نار تحت الرماد البركاني، تُلف رسائلها بورق السلوفان الملون، بينما تضمر في جوفها لهيبًا قادرًا على الإتيان على الأخضر واليابس.
إن أزمة الثقة المستحكمة بين الأطراف ليست مجرد اختلاف على إجراءات تنظيمية، بل هي صراع فلسفي بين من يرون في الحاضر استمرارية طبيعية للماضي، ومن يخشون أن تكون هذه الخطوات هندسة مقصودة لتغيير خريطة النسيج التاريخي للكيان، وإعادة رسم خارطة الطريق بمعزل عن قيم التأسيس وموروثاته العريقة.
وما زاد الطين بلة، وأجج لهيب الأزمة تعقيدًا، إعلان المجلس التسييري عدم رغبته، البتة، في الدخول في أتون معركة الانتخابات لعهد جديد، ودعوته الصريحة لأقطاب النادي وعقلائه لاختيار من يرونه مناسبًا لقيادة المرحلة القادمة، مما جعل الفراغ الإداري المرتقب يلقي بظلاله الثقيلة على المشهد.
وفي المقابل، تصر المجموعة الداعية إلى تأخير موعد الجمعية العمومية على موقفها، متكئة على فتح باب العضوية وتنقيح سجلاتها القديمة، حفاظًا على النادي وصونًا لمكانته الطليعية.
إن الأزمة الحقيقية لا تكمن في نصوص اللوائح ولا في توقيت الجمعيات، بل في جفاف روح الحوار الحي وضياع البوصلة الجامعة. والحل الناجع لا يولد في أقبية المغالبة الصفرية، بل يشرق من نافذة التوافق الخلاق والمصالحة التاريخية العميقة.
وحريٌّ بأهل الفضل في النادي الأهلي أن يدركوا أن الكيان أكبر من الأسماء، وأن الرموز هم الأوتاد التي تُشد بها خيام العز، فلا يجوز نزعها بدعوى تجديد البناء.
إن المخرج الأمثل يكمن في طاولة حوار مستديرة، تلتئم فيها وجاهات الرأي والحكمة، ليُدمج إرث الرواد بسواعد الطموح الشبابي في قالب واحد. وينبغي للمجلس القائم والمجموعة المعارضة أن يدركوا أن النصر الحقيقي لا يُسجل بكسر إرادة الطرف الآخر، بل بالتحام السواعد تحت راية «الأهلي أولًا».
فلنُعد صياغة العضوية على أساس يجمع ولا يفرق، ولْيُعَد الاعتبار للرموز على رؤوس الأشهاد، لتظل شمس النمور ساطعة، ولتبقَ قلعتهم حصنًا منيعًا تأوي إليه قلوب العشاق، ودرعًا للرياضة السودانية، ونبراسًا يُقتدى به في الوفاء والانتماء.
أليس في القوم عاقل يفعل؟













