تباشير
د. وليد محجوب
في زمنٍ صار فيه الهاتف نافذة العالم التي لا مصراع لها، وزر المشاركة أسرع من نبضة قلب، لم تعد الكلمة تذوب في الهواء، بل تُخط في سجلات لا تُمحى. وهي وإن سافرت بين الخوادم، فهي في صحائف الآخرة باقية. ومن هنا كان الإسلام ينظر إليها لا كصوتٍ عابر، بل كأمانةٍ ومسؤوليةٍ وحسابٍ يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون.
قال تعالى: ﴿ يَأَيّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱجْتَنِبُواْ كَثِيرًا مِنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ ٱلظَّنِّ إِثْمُ وَلَا تَجَسَّسُواْ وَلَا يَغْتَب بَعْضُكُم بَعْضَاَ أَيُحِبُ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتَا فَكَرِهْتُمُوهُ وَٱتَّقُوا ٱللَّهُ إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيُمُ﴾. فجاء النهي عن سوء الظن، لأن التهمة كثيراً ما تبدأ ظناً، ثم تتحول إلى همسة، ثم إلى منشور، ثم إلى يقينٍ كاذب يتناقله الناس حتى يلبس الباطل ثوب الحقيقة.
ولذلك قال النبي ﷺ: “كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع.” فما أكثر ما نقرأ خبراً لا نعرف مصدره، أو تسجيلاً لا نعرف سياقه، أو صورةً لا ندري متى التُقطت، ثم نسارع إلى نشرها وكأننا شهود عدل. وهكذا تتحول وسائل التواصل، التي خُلقت لتقريب المسافات، إلى مصانع للشائعات، وإلى محاكم لا تعرف قاضياً ولا بينةً ولا حقَّ دفاع. فذاك لص سرق البلاد والعباد، وذاك سكِّير لا يفيق إلا على إثم ربما أفضى بوعي أو بلا وعي إلى خيانة البلاد، وذاك ترتجف أوصاله أمام الحسان ولا يمنعه وازع من الولوغ في الحرام. هكذا نوزع الاتهامات بل ندمغ من لا نحب بها دون أن يرف لنا جفن.
وليس أخطر على مرتادي السوشيال ميديا من استبدال التثبت من الخبر باللهاث خلف السبق بأن يكون هو صاحب الترند، أو مصدر الأخبار الأول. فالسبق الذي يُبنى على خبر غير موثق ليس سبقاً، وإنما هو سقوط أخلاقي يُورِد المهالك. إن النجاح الحقيقي في ساحة السوشيال ميديا لا يُقاس بعدد المشاركات والإعجابات لما ننشر، بل بعدد الحقائق التي نُنقذها من التشويه. فكم من سمعةٍ اغتيلت بخبرٍ متداول بقصد أو بلا قصد، وإن جاء اعتذار أو تصحيح للخبر يكون قد أتي متأخراً بعد أن أكلت النارُ الحطب، وبعد أن عجزت الكلمات عن إعادة الزجاج المكسور إلى هيئته الأولى.
غير أن هناك صورةً أشد قتامةً؛ صورة أولئك الذين لا يخطئون جهلاً، بل يتعمدون الكذب قصداً، فيختلقون الروايات، ويقتطعون المقاطع، ويفبركون الصور، ويزينون الأكاذيب لتشويه خصومهم خدمةً لحزبٍ أو جماعةٍ أو مصلحةٍ ضيقة. هؤلاء لا يبحثون عن الحقيقة، وإنما يبحثون عن ضحية يُجملون بها قبحهم، ويُحملوها أوزارهم. فهم يجعلون من الكلمة خنجراً، ومن منصات الإنترنت مقصلة، ومن الشائعة سهماً مسموماً يصيب الأبرياء في أعراضهم وأرزاقهم وكرامتهم.
ولئن استطاعوا أن يخدعوا الناس زمناً، فلن يخدعوا علام الغيوب. فقد قال رسول الله ﷺ: “إن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله، لا يلقي لها بالاً، يهوي بها في جهنم.” وفي رواية: “يهوي بها في النار سبعين خريفاً.” إنها كلمة واحدة، لكنها قد تكون أثقل في الميزان من جبالٍ من الذنوب، لأنها لم تجرح جسداً، وإنما اغتالت إنساناً وهو حي، وسلبته حقه في الكرامة والعدل.
فلنتذكر دائماً أن الحقيقة كالشمس، قد يحجبها الغيم لبعض الوقت، لكنها لا تموت. أما الكذب فهو كالزبد، يعلو قليلاً ثم يذهب جفاءً. وبين إصبعٍ يضغط زرَّ النشر، وميزانٍ ينصب يوم القيامة، مسافةٌ ينبغي أن يملأها الإنسان بالتثبت، وخوف الله. فمن صان لسانه وقلمه ولوحة مفاتيحه، صان دينه وضميره، ومن استهان بالكلمة، فقد يبيع آخرته بثمن منشورٍ عابر، وإعجابٍ زائل، وضجيجٍ لا يلبث أن يسكت، ويبقى الحساب في يومٍ لن يدافع عنك حزب ولا جماعة، بل سيتبرؤون منك. ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد.













