مواقف وسوالف
خالد الضبياني
حين يرحل بعض الناس من مواقعهم يبقى المكان كما هو لا يتغير فيه شيء سوى اسم من يشغله. لكن هناك رجالًا إذا غادروا شعر الجميع بأن جزءًا من روح المكان قد رحل معهم لأن حضورهم لم يكن وظيفة بل قيمة ولم يكن منصبًا بل رسالة ولم يكن مرورًا عابرًا بل أثرًا عميقًا لا تمحوه الأيام. ومن هؤلاء الرجال اللواء الركن (م) مجدي حامد محمد عثمان.
لم يكن مجرد ضابط أدى واجبه العسكري بكل كفاءة واقتدار بل كان رجل دولة حمل اسم السودان في محطات خارجية عديدة فكان خير سفير لوطنه بأخلاقه وانضباطه وحكمته ورجاحة عقله. أينما حل ترك خلفه احترامًا يسبق اسمه ومحبةً تزداد مع الأيام وسيرةً يرويها كل من عرفه أو عمل معه.وإذا كانت العسكرية قد صنعت منه قائدًا يعرف قيمة المسؤولية فإن الإعلام كشف عن وجه آخر لرجل يملك الكلمة الراقية والفكر المستنير والرؤية العميقة. كان يؤمن بأن الكلمة الصادقة لا تقل أهمية عن الموقف الصادق وأن الإعلام رسالة وطنية قبل أن يكون مهنة لذلك ظل حاضرًا بعقله وقلمه مدافعًا عن وطنه وحريصًا على صورته ومؤمنًا بأن السودان يستحق أن يُروى للعالم بأجمل ما فيه.في ليلة الوداع لم تكن الكلمات كافية ولم تكن عبارات الثناء قادرة على أن توفي الرجل حقه. كانت الوجوه تتحدث أكثر من الألسن وكانت المصافحات الطويلة تقول ما تعجز عنه الخطب. أدرك الجميع أن من يغادر ليس شخصًا عاديًا بل إنسانًا استطاع أن يزرع في القلوب محبة خالصة وأن يبني علاقات قائمة على الاحترام والصدق والإخلاص.
إن قيمة الإنسان لا تُقاس بعدد السنوات التي قضاها في موقعه وإنما بعدد القلوب التي كسبها وعدد المواقف النبيلة التي تركها خلفه. واللواء الركن (م) مجدي حامد محمد عثمان من أولئك الذين كتبوا أسماءهم في ذاكرة الناس قبل أن تُكتب في سجلات المناصب.
سيغادر المكان لكن سيرته ستظل حاضرة في كل مجلس وستبقى ابتسامته الهادئة وكلماته الرزينة وأخلاقه الرفيعة شاهدة على أن الرجال الحقيقيين لا يصنعهم المنصب بل تصنعهم المبادئ.التحية لرجلٍ خدم وطنه بإخلاص في الميدان ومثّله بشرف في الخارج وأثبت أن القيادة ليست أوامر تُصدر وإنما قدوة تُحتذى وأن الاحترام لا يُمنح بالرتبة وإنما يُكتسب بحسن الخلق وصدق التعامل.نسأل الله أن يبارك له في خطواته القادمة وأن يجعل ما قدمه لوطنه في ميزان حسناته وأن يبقى اسم اللواء الركن (م) مجدي حامد محمد عثمان عنوانًا للعطاء والوفاء فهناك رجال يرحلون عن المكان لكنهم لا يرحلون أبدًا عن الذاكرة.













