مسارات
رندة المعتصم أوشي
الصورة هي القيمة الجوهرية للنص الشعري، بل الأدبي في كل ضروبه. إن أخفق الشاعر في تصميمها، فقد أضعف شعره. وقديمًا التزم كبار الشعراء بمبدأ “قلب السمع بصرًا“، أي أن تسمع النص الشعري فترى أمامك صورًا متحركة. ففي الصورة تجسيد يبقي المشهد مخزونًا في الذاكرة.
وقد لا نشطط إن رأينا في الشاعر مصورًا (Camera Man) وفقًا لقاموس الإنتاج البرامجي المرئي، فإن أحسن اختيار وضع الكاميرا، واختيار مدى اللقطات، فقد أكمل نجاحًا.
الشعر الجاهلي معمور بنماذج حية للصورة، وقد لا يمكننا الإحاطة إلا بنزر يسير. قال عنترة:
غردًا يحك ذراعه بذراعه
فعل المكب على الزناد الأجذم
قيل إنها من الصور “العقم” التي لم تُسبق، وقد لا يأتي زمان بمثلها.
المعني هنا ذباب الحدائق، ليس سواه.
وللأمير الكندي امرئ القيس، وللأعشى، ولحسان بن ثابت، وبشار بن برد، وابن الرومي، صور تكاد تخطر بخيلاء، غير أننا وضعنا كل ذلك لنلج إلى الشعر السوداني، والشعر الغنائي بعناية خاصة، ثم نرى كيف هي الصورة فيه.
قال ابن الرومي يصف خبازًا ومهارته فيما يصنع:
ما بين رؤيتها في كفه كرة
وبين رؤيتها قوراء كالقمر
إلا بمقدار ما تنداح دائرة
في صفحة الماء
يُرمى فيها بالحجر
يصف إعداد المخبوز. والشاهد هنا هو المدى الزمني الذي تتحول فيه رقاقة القمح إلى “لقيمات”. وقد لا تستطيع ملاحقة هذه الصورة التي تخطف الأبصار إلا كاميرا عالية النقاء.
لكننا نستأنس بشاعر البطانة الفحل الحردلو، فنرى صورة كهذه، وربما أبلغ. قال:
قصبة منصح الوادي المخدر درو
أصبح قلبي تطويه كل ساعة تفرو
انظر إلى “تطويه” و”تفرو”، ثم قل لي: ما ترى فيهما من سرعة الفعل؟
وإن حكمنا بعدل، لأنصفنا الحردلو.
تقول العرب إن روعة الشعر لا اتصال لها بقدم الشاعر.
ثم إنك لتجد أنماطًا من الصور؛ فمنها الساكن، والصامت، ومنها المتحرك، ومنها المركب. وقد أغنانا إبراهيم العبادي عن كثير، فإنك لسامع لأغنيته “سايق الفيات“، فترى فيها لوحة من الجمال الوصفي المتدفق بلا تأنٍّ. هي “دراما” ثرية بالمشاهد المتحركة، وكأني بالعبادي وهو يلاحق سرعة “الفيات”. ويقيني أن القصيدة مرتجلة، وهنا معجزة الشاعر وعبقريته، ويقيني أن لحن الأغنية كان مرتجلًا، لكنه ارتجال الفنان، أعني سرور، الذي كان يجلس وراء المقود. قال:
“عوج بي وخد سنده بالدرب
التحت تجاه ربوعهن دا”
ثم يدخلنا العبادي أجواء النص البديع:
“ميل على المشرع
لا تريع القطيع
لا تجفل الأدرع”
ثم:
“شق حشا الطريق
أتيمم الحلال
زفنو الكلاب
ما نالن إلا علال”
يضعك العبادي أمام صورة ذهنية تبهرك، وأنت ترى الكلاب، في مشهد بدوي أصيل، وهي تجري لاهثة، حتى لتكاد تتقطع حبال الرقبة من الشهيق، ثم لا ينالها إلا الغبار. أترى العبادي قد نظر في سورة “العاديات“، فاقتبس المشهد القرآني: ﴿فأثرن به نقعًا﴾؟
ورغم أن الموصوف في الآية هو الفرس، إلا أن عبقرية العبادي قد هدته إلى اقتباس هذه الصورة الرائعة.
ثم:
“شوف النهر مال بخشوع تقول هجسان
أو مر المنام بي مهجة النعسان”
يخلد العبادي، ويلوذ بعظمة المبدع الخلاق، فيصف خشوع النهر، وللمشهد جلال آسر.
ثم:
“انزل يا سرور شوف يد القدرة
شوف حسن البداوة ال ما لمس بدرة”
هي البداوة في أعلى مقامها، ولعل المقطع يعيدك إلى العهد العباسي الثاني، فتقرأ لأحمد بن الحسين، المتنبي:
“أهوى ظباء فلاة ما عرفن بها
مضغ الكلام ولا صبغ الحواجيب”
هي ذات البادية، بادية “السماوة” التي عرفها المتنبي، فكتب برؤية مأخوذة من باديته، وها هو العبادي يقتفي ذات الأثر في بادية السودان.
ثم انظر إلى الصورة الحوارية التي رسمها العبادي:
“ما نفرن تقول سابق الكلام ألفه
عطشان قلت ليهن، صحت البلفه
ما فيش كاسًا قريب، قلن بدون كلفة
نسقيك بي كفوفنا لما تتكفا”
إذا ألغيت مفردتي “الفيات“ و**”البلفه”**، فإنك تستطيع أن تضع هذا النص الألمعي في صدارة عهود الشعر الأموي أو العباسي، لا محالة.
ألا ترى أن الصورة لدى العبادي مذهلة، ومدهشة؟
الحديث شيق، غير أنه يقتضي تصفح سجلات ومجلدات.
في العدد القادم، نبحر سويًا في ذات الينبوع الصافي العذب، فهل أنت معي؟.













