مقالة بديعة كتبها الطيب صالح قبل أكثر من ثلاثين عامًا

أحمد نصر ـ آكشن سبورت
*كان الروائي العالمي الراحل الطيب صالح.. يكتب عن شتى المواضيع.. بذات اللغة الجميلة الرفيعة البسيطة التي كتب بها رواياته الشهيرة التي حققت شهرتها العالمية وترجمت الي أكثر من لغة.
كان الطيب صالح يكتب وتحس في كتاباته هذه الصدق والجمالوالهدؤ وصفاء النفس.
كتب قبل نحو ثلاثين عاما عن (البلابل) ومسيرتهن الفنية هذه المقالة البديعة
**
في واشنطن عام 1994م…
تفرّقت “البلابل”، وهاجر بشير عباس، الملحن الموهوب الذي قدّمهن للجمهور السوداني أوائل السبعينيات. كنَّ صغيرات وجميلات، وأصواتهن مثل شقشقة العصافير عند الفجر. أغانيهن خفيفة، مريحة، جديدة، ولكن فيها روح القديم. غزلها عفيف وصافٍ، خالٍ من أية إيحاءات جنسية.
أخذن العذوبة والشجن من منطقة النوبة العريقة، أقصى شمال السودان، بتراكماتها الحضارية، التي أخذ منها محمد وردي أيضًا فنه العبقري.
ربما أكثر من أي ظاهرة أخرى، كان غناء البلابل في تلك الأيام يعبر عن روح السودان، وعن ثقته في نفسه، وتفاؤله بالمستقبل، وإقباله على الحياة. ولما انفرط عقدهن، كأنما السودان نفسه فقد حيويته وأخلد إلى الكآبة والركود.
“البلابل” هن شقيقات ثلاث: هادية، حياة، وآمال. ووالدهن الأستاذ محمد عبد المجيد طلسم، رحمه الله، كان من الرجال الرواد أصحاب النظر البعيد، من طراز المرحوم بابكر بدري، الذي آمن بتعليم البنات في السودان مطلع القرن الماضي، في وجه مقاومة اجتماعية عظيمة.
وقد أسعدني الحظ أنني تتلمذت على يدي المرحوم طلسم فترةً في جامعة الخرطوم، حين كان محاضرًا في كلية العلوم. أذكر مرحه وطيبته وأبوته الغامرة.
كان رجلًا شجاعًا شجاعةً بالغة؛ ففي وقت كان فيه الشعب السوداني ينظر إلى الفن، وخاصة التمثيل والغناء، بريبة وحذر، وغير قليل من الاستحقار، سمح لبناته السبع بدخول المعهد العالي للموسيقى والمسرح، والعمل بعد تخرجهن في ميدان التمثيل والغناء. وكنَّ من المؤسِّسات للفرقة القومية للفنون الشعبية، التي سرعان ما حققت شهرة عالمية واسعة.
في أواخر عام 1971م، انطلقت فرقة البلابل، المكونة من الأخوات: هادية، وآمال، وحياة.
ويُعزى أكبر الفضل في انطلاقتهن ونجاحهن إلى الموسيقي الموهوب بشير عباس، وهو أيضًا من أسرة عريقة من حلفاية الملوك بالخرطوم بحري.
لقيت هادية أول مرة في زيارتي لواشنطن، في ربيع عام 1994م، مع زوجها الدكتور عبد العزيز بطران، أستاذ التاريخ بجامعة “هوارد”.
عرّفني بهما الفاتح إبراهيم أحمد، وكان معنا الدكتور محمد إبراهيم الشوش، وأسامة، الذي يسكن قريبًا من الفاتح. وهو مهندس معماري اضطرته الظروف للعمل في مجال النقل، وصوته جميل في الغناء، وكذلك الفاتح، فكانا لها بمثابة الكورس، وأحيانًا يغنيان معها.
قضينا في دارهما، وفي دار الفاتح، أمسيات لا تُنسى، نستمع إلى ذلك الصوت الساحر.
كانت تعيد إلى الحياة، بصوتها العربي النوبي، ووجهها الفرعوني، واستغراقها وهي تغني، كأنها تصلي، عالمًا كاملًا ضاع أو كاد يضيع.
غنت تلك الأغنية القديمة التي لا أملُّ سماعها:
يجلي النظر يا صاح
منظر الإنسان.. الطرفه نايم وصاح
وغنت تلك الأغنية البديعة للمطرب الكبير أحمد المصطفى:
زاهي في خدرو ما تألم
إلا يوم كلموه تكلم
حنّ قلبو ودمعو سال
هفّ بي الشوق قال وقال
كما غنت للراحل إبراهيم الكاشف:
أنا يا طير
محل ما تطير بشوفك
غنت من القديم والجديد، ومن أغانيها وأغاني غيرها، بالعربية وبالنوبية، فجعلت الحاضرين يغرقون في سبحات سودان آخر، وزمان آخر.
في زيارتي تلك، صادفت أيضًا بشير عباس، وهو، إلى جانب موهبته الكبيرة في التلحين، عازف عود لا يُجارى، وصاحب صوت جميل في الغناء، فسمعنا منهما عجبًا.
ولاحظت كيف كانت هادية توزع اهتمامها بين فنها وطفليها؛ تكون مستغرقة في الغناء، وفي الوقت نفسه منتبهة إلى تحركات طفليها في أرجاء الدار.
كما لاحظت كيف أن زوجها الدكتور عبد العزيز بطران، ذلك الإنسان المهذب المتحضر، كان يرعى موهبتها الكبيرة بحنو وعطف عظيم.
وقد غدا صوتها أكثر نضجًا، وتلبّسته أشجان بعيدة الغور، كأنما الصوت مرآة للتحولات العميقة التي كانت تجتاح السودان نفسه.
ذلك الزمان، زمان الظبي المكنون في خدره، لن يعود بطبيعة الحال، ولكن الزمان الجديد، الذي يتشكل بوحي من أصوات المغنين والشعراء والكتاب والحداة، لعله يأتي في صورة مدهشة لم تخطر في خيال أحد.













