تباشير
د. وليد محجوب
تنتظم الأرض تحت وقع خطوات ستر عيوب الناس، وإِكْنان ما اقترفوه من ذنوب وهفوات في لحظات الضعف، وعدم فضحهم، عندها تستيقظ روح الإلفة والمودة بين الناس، ويمس أطراف الأرض ضياء الترابط، وتُوَثق عُرى التواصل بين أهلها.
لكن ذات الأرض ترتج وتنقسم عندما تنكشف عورات الناس، فتتشظى ليتفرق الناس أشتاتاً متباغضين. وتُنتَقض عُرى المجتمعات عُروةً عُروة، وتتشقق أركانها. حينها تتفشى كثير من الظواهر السيئة بعد انتشارها في صفحات السوشيال ميديا التي لا رقيب عليها، ولا وازع ينهى أصحابها عن تجاوز الخطوط المؤذية للناس والمجتمع.
لا شك أن من يسعى للستر هم أهل الفضل والمروءة. من لا يعرفوا السير في دروب أذى الناس، وتتبع عوراتهم، وتحسس مواطن أوجاعهم الروحية. من يؤمنون بـ”لا ضرر ولا ضرار”.
أما أهل اللؤم والسفول، من فقدوا بوصلة الأخلاق، فهم من يسعى لكشف سوءات الآخرين بحماس ولهفة، وكأنه قد تطهر من كل دنس. تنطلق عدسات كاميرات الموبايلات لترصد كل شاردة وواردة، ثم تنقل حصادها لتضج الأسافير بمنشورات وصور مثل قذف الحجارة على بيوت الزجاج، تُحدِث شروخاً لا يمكن إصلاحها.
لم تكن المجتمعات يوماً بنايات مُتراصة، ولا أبراجاً تعانق السماء، ولا طرقاً مُعبدة تعلوها كباري طائرة. إنما هي قلوب تتآلف، ونفوس تتراحم، وأيادي تمتد بمحبة لتنهض بالعاثر، لا لتدفعه إلى هاوية لا قعر لها.
وإذا كانت البيوت تُشيَّد بالحديد والأسمنت، فإن المجتمعات تُشيَّد بالأخلاق، وفي مقدمتها خُلُق الستر، الذي جعله الإسلام سياجاً يحفظ كرامة الإنسان، ويفتح أبواب التوبة كما يفتح أول الغيث مسام الأرض فتنبت أزهاراً وقمح، بدل أن تنبت أشواكاً تدمي أقدام كل من يمر بها.
إن “الخطأ”، كبيرةً كان أو من صغائر الذنوب، فهو عارضٌ من عوارض البشرية، ولو كانت أخلاق الناس تُقاس بزلاتهم، لما بقي على الأرض كريم. فالإنسان مثل الشجرة الوارفة، قد تسقط منها ورقة صفراء، لكن ذلك لا يعني أن جذعها قد مات، ولا أن ثمرها قد انقطع أو تعطَّن وفسد. فمن المروءة أن تُسقى الشجرة حتى تخضر كل أوراقها، لا أن تُقتلع لأنها تعثرت بورقة.
ولا شك أن للفضيحة دوي هائل، فهي تضرب مثل ريحٍ عاتيةٍ تقتلع جذور الثقة، وتهدم جسور المودة، وتزرع الشك بين القلوب. فإذا خاف الإنسان أن تتحول هفوته إلى عنوان في الأسافير، وخطؤه إلى وسمٍ لا يفارقه، وسقطته إلى مادةٍ للتداول، عاش متوجساً من الناس، وانكمشت روح الأخوة فيه، واشتعلت في صدره نيران الصدود والفُرقة، عندها تُقبل نُذُر تفكك روابط المجتمع، ويغلب سوء الظن على حسن الظن.
أما الستر فهو كالمطر الهادئ، لا يُحدث ضجيجاً، لكنه يبعث الحياة في الأرض، وكذلك يبعث دُعاشه الحياة في روابط الناس، فيزيدها دفئاً، ويقوي أواصرها، ويشيع فيها الطمأنينة.
وليس الستر دعوة إلى تعطيل القوانين، ولا إلى السكوت عن الظلم، ولا إلى إخفاء الجرائم التي تتعلق بحقوق العباد أو أمن المجتمع، فهذه يتصدى لها سلطان القضاء والجهات المختصة. وإنما الستر أن يكون بقصد الإصلاح لا التشهير، والهداية لا الإدانة، وإنقاذ الإنسان لا إحراقه بنار الفضيحة. فلكن ممن يستر عباد الله في الدنيا رجاء ستره لنا في الآخرة.













