رؤية تقنية
طه الصادق طه
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية نتحدث عنها في المؤتمرات أو نشاهد تطبيقاتها في الأفلام، بل أصبح جزءًا من حياتنا اليومية، يدخل في التعليم والعمل والتجارة والاتصالات، وحتى في تفاصيل حياتنا الشخصية.
لكن كل تقنية جديدة تحمل وجهين؛ وجهًا يساعد الإنسان ويختصر عليه الوقت والجهد، ووجهًا آخر يمكن أن يستغله أصحاب النوايا السيئة.
واليوم نواجه نوعًا جديدًا من الاحتيال الإلكتروني، لا يعتمد فقط على رسالة مجهولة أو رابط مشبوه، بل قد يعتمد على صوتك أنت.
هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقلّد صوتك؟
الإجابة أصبحت: نعم.
تقنيات الذكاء الاصطناعي الحديثة قادرة على تحليل عينة صوتية، ثم إنشاء صوت اصطناعي يشبه صوت الشخص الحقيقي بدرجة قد تجعل المستمع العادي يجد صعوبة في اكتشاف الفرق.
وهنا تبدأ المشكلة.
تخيل أن يصلك اتصال من شخص تعرفه، وربما يكون أحد أفراد أسرتك، ويقول لك بصوت مألوف:
«أنا محتاج منك تحول لي مبلغ بسرعة… الموضوع ضروري.»
الصوت هو صوته، وطريقة الكلام تبدو قريبة من أسلوبه، وربما يعرف المحتال اسمك وبعض المعلومات عنك.
في لحظة عاطفية قد لا تفكر في التحقق.
وقد تضغط زر التحويل.
وهنا تكون المشكلة قد انتهت بالنسبة للمحتال… وبدأت بالنسبة للضحية.
من الاحتيال التقليدي إلى الاحتيال المدعوم بالذكاء الاصطناعي
لسنوات طويلة كان الاحتيال الإلكتروني يعتمد على وسائل معروفة نسبيًا: رسالة تدعي أنك فزت بجائزة، رابط مزيف، حساب ينتحل شخصية شخص آخر، أو شخص يتصل بك مدعيًا أنه موظف في بنك ويطلب معلوماتك.
لكن الذكاء الاصطناعي رفع مستوى الإقناع.
لم يعد المحتال بحاجة إلى أن يكون محترفًا في تقليد الأصوات أو كتابة الرسائل، فهناك أدوات قادرة على مساعدته في إنشاء محتوى مقنع، وصور مزيفة، ورسائل شخصية، وحتى أصوات تشبه أشخاصًا حقيقيين.
وهنا يجب أن نفهم أمرًا مهمًا:
المشكلة ليست في أن الذكاء الاصطناعي «يخترق البنك»، بل في أنه قد يخدع الإنسان حتى يقوم هو بنفسه بالخطوة التي يريدها المحتال.
وهذه نقطة جوهرية في الأمن السيبراني.
فأقوى أنظمة الحماية قد تصبح أقل فاعلية إذا تمكن المحتال من إقناع صاحب الحساب بتسليم بياناته أو تنفيذ تحويل مالي بنفسه.
السودان والخدمات المصرفية الرقمية
هذه القضية ليست بعيدة عن واقعنا السوداني.
مع انتشار الخدمات المصرفية الإلكترونية، أصبح الهاتف المحمول وسيلة أساسية للوصول إلى الحسابات وإجراء التحويلات المالية.
ومن أشهر الأمثلة تطبيق «بنكك» التابع لبنك الخرطوم، الذي يتيح للعملاء الوصول إلى حساباتهم وإجراء المعاملات المالية عبر الهاتف.
ومع سهولة هذه الخدمات، تظهر مسؤولية أخرى لا تقل أهمية، وهي رفع الوعي الأمني لدى المستخدم.
فبنك الخرطوم نشر أكثر من تحذير رسمي حول محاولات الاحتيال، ودعا العملاء إلى عدم مشاركة بياناتهم المصرفية أو الشخصية مع جهات غير رسمية، وعدم التعامل إلا عبر قنوات البنك المعتمدة.
كما يحذر مستخدمي «بنكك» من ضرورة التأكد من سلامة التحويلات، ومراجعة كشف الحساب للتأكد من وصول المبالغ، وعدم الإفصاح عن المعلومات لأي جهة غير رسمية.
كيف يمكن أن يستخدم المحتال الذكاء الاصطناعي؟
لنأخذ سيناريو بسيطًا.
قد يجد المحتال تسجيلًا صوتيًا لشخص على وسائل التواصل الاجتماعي، ربما في مقطع فيديو، أو رسالة صوتية، أو مقابلة.
بعد ذلك يستخدم أدوات تقنية لتقليد الصوت.
ثم يحصل على رقم أحد أقارب ذلك الشخص.
ويتصل به قائلًا:
«أنا فلان… حصلت لي مشكلة ومحتاج منك تحول لي مبلغ الآن.»
وقد يضيف:
«ما عندي وقت أشرح لك، بس أرسل المبلغ وبعدها أكلمك.»
هنا يستخدم المحتال أهم سلاح لديه:
الاستعجال.
لأنه يعرف أن الإنسان عندما يشعر بالخوف أو القلق أو الضغط، يقل الوقت الذي يمنحه لعقله للتحقق.
وهذا هو السبب في أن كثيرًا من عمليات الاحتيال لا تعتمد على التكنولوجيا وحدها، وإنما تعتمد على الهندسة الاجتماعية؛ أي التلاعب بالإنسان نفسيًا حتى يتخذ القرار الذي يريده المهاجم.
يتبع…













