داليا الأسد
الفوطة هي ثوب المرأة البجاوية، وهي جزء أصيل من الزي التقليدي المتميز للمرأة في شرق السودان، خاصة لدى قبائل البجا والهدندوة، حيث تُلف بطريقة معينة تمنح المرأة مظهرًا يجمع بين الحشمة، والشموخ، والوقار.
وتتمتع المرأة البجاوية بمكانة رفيعة وهيبة مصونة تحرسها العادات والتقاليد الصارمة في مجتمع البجا بشرق السودان، إذ تُحاط بتقدير فائق يجعلها عزيزة الجانب وعمادًا للمجتمع. وتتجلى مظاهر الاحترام والتقدير لها في عدة جوانب ثقافية واجتماعية راسخة، كما أن مظاهر الحماية والتكريم التي تحظى بها تشكل حصانة كاملة، إذ تحرّم أعراف البجا مد اليد بالأذى إليها أو توجيه الإهانة لها، ويُعد المساس بكرامتها خطًا أحمر يجلب العار.
ومن ذلك إعفاؤها من الأعمال الشاقة، تكرمًا لها؛ فعلى سبيل المثال، لا تحلب الشاة أو الماشية، إذ يُعد الحلب شأنًا خاصًا بالرجال والصبية، حمايةً لها من التعب. كما تلعب الجدة الحكيمة والأم دورًا محوريًا في حفظ توازن الأسرة الكبيرة، وغرس القيم في الأجيال الناشئة.
ومن الصفات التي تميز المرأة البجاوية الحشمة والوقار، ويظهر ذلك في تمسكها بالزي التقليدي المحتشم، سواء الملحفة أو الثوب، المتميز بألوانه المتزنة. كما تتميز بالكرم الأصيل، إذ تحرص على استقبال الضيوف والترحيب بهم، وإعداد القهوة البجاوية التقليدية (الجبنة) بفخر واعتزاز. وقد عُرفت عبر العصور بقدرتها العالية على التحمل، والوفاء بالعهود، والاعتزاز البالغ بهويتها ولغتها.
كما نجد الألقاب والمسميات التقديرية للمرأة في لغة البجا، مثل: «أحوت» و**«دراتوا»**، إلى جانب دورها الكبير في الطقوس والمناسبات الاجتماعية، وخاصة الزواج. وتتمتع المرأة البجاوية في شرق السودان بمكانة بالغة الأهمية، فهي ليست مدبرةً للمنزل فحسب، بل ركيزة أساسية في بناء الخيمة، وعنصر فاعل في الاقتصاد الرعوي. كما تُعد رمزًا للسلام، إذ تمتلك سلطة إنهاء المعارك القبلية بمجرد كشفها عن رأسها.
وتتجلى مكانة المرأة البجاوية الرفيعة في القدسية والاحترام اللذين تحظى بهما، إذ يكنّ المجتمع البجاوي لها تقديرًا عظيمًا، وتصان كرامتها ولا تُهان، وتُعد رمزًا للشرف الذي يُلزم الرجل باحترامها وتبجيلها.
وإلى جانب دورها في تربية الأبناء، تضطلع المرأة بمهام حيوية في إدارة الحياة الاقتصادية، مثل صناعة ونسج الحصر، وبناء الخيام وتفكيكها أثناء الترحال، كما تسهم بصورة مباشرة في دخل الأسرة من خلال بيع منتجات الألبان والحرف اليدوية. وبذلك تحظى بحماية كاملة، وتقدير عميق، وتؤدي دورًا لا غنى عنه في استقرار المجتمع البجاوي وتماسكه.
ومن أبرز الشخصيات النسائية والدينية المؤثرة في تاريخ السودان الحديث، وتحديدًا في إقليم الشرق، الشريفة مريم سنكات. فهي السيدة مريم، ابنة السيد هاشم بن السيد محمد عثمان الميرغني الختم، شيخ الطريقة الختمية. وُلدت في مدينة سنكات بشرق السودان عام 1886م، وتلقت تعليمًا شرعيًا رفيعًا على يد علماء استقدمهم والدها من مكة المكرمة والمدينة المنورة، فحفظت القرآن الكريم، ودرست علوم الفقه والتوحيد.
ولذلك لُقبت بـ «أم المساكين والفقراء» لرعايتها للمحتاجين. ولم تُرزق الشريفة مريم بأطفال، فجعلت من بيتها ملاذًا ومأوىً للأيتام، والمساكين، والأرامل، والفقراء، الذين اتخذتهم بمثابة أبنائها.
وتُعد أول امرأة تتزعم قيادة طريقة صوفية في السودان، وهي الطريقة الختمية، واستطاعت أن تجذب أتباعًا ومريدين من الرجال والنساء على حد سواء، لما عُرفت به من رجاحة العقل والحكمة. كما تبنت نهجًا توعويًا متنقلًا بين مدينتي سواكن وسنكات، وكانت حريصة على تعليم النساء، وتوفير الكساء والغذاء والتعليم لأهالي المناطق المهمشة.
وتوفيت الشريفة مريم في خمسينيات القرن الماضي، إلا أن آلاف السودانيين من مختلف أنحاء البلاد، ولا سيما قبائل البجا في شرق السودان، لا يزالون يحيون ذكراها سنويًا في مدينة سنكات، اعترافًا بفضلها، وتقديرًا لأعمالها الخيرية والتعليمية التي تركت أثرًا باقياً في المجتمع.













