على حافة الضوء
د. عمار برهان
تآكلت حالته الذهنية ببطء كما تتآكل الحجارة القديمة بفعل عوامل التعرية، ترك الماضي في أعماقه شقوقاً واسعة وسكبت التجارب المريرة فيها ملحها الثقيل حتى ضاقت المساحة التي كانت تأوي تأملاته الفلسفية ونظرته العميقة إلى الأشياء وصار يعيش بمحاذاة صمته الأسطوري كمن يسكن بيتاً مهجوراً ويصغي إلى وقع خطاه وحده، تلاحقه الشمس بعدوانيتها الساطعة فتدركه بلهيبها الذي لا يرحم في الطرقات وعند ضفاف النهر، وفي الزوايا التي ظنها يوماً ملاذاً آمناً.
كان قلبه مفطوراً إلى نصفين يتجاوران ولا يلتئمان، في كل نصفٍ سيرة وجع، وفي كليهما أطياف أسى تعرف طريقها إليه جيداً، لذلك آثر الاحتماء بعيداً عن رياح العشق القادمة من شمال الوادي، أو المتسللة نحوه من فوق صفحة النهر، كانت روحه ترتجف كلما حمل النسيم رائحة بداية جديدة، التجربة العاطفية السابقة تركت في داخله مصباحاً محترقاً، والصباحات التي نسجها ذات رجاء ابتلعها ضباب الهموم فتبددت جذوة جمالها في العتمة، أدرك أن آماله تتسكع في طرقات الآخرين، تدخل بيوتهم وتضيء نوافذهم، ثم تمضي بعيدة عن بابه كأنها فقدت اسمه المخطوط في دفاتر العودة.
صار رجلاً أخرساً في مهرجان الكلام، يشعر بكل شيء ويلتقط ارتعاش المعاني قبل أن تولد ثم تتعثر اللغة المرتجفة عند حدود فمه، تتزاحم مشاعره خلف أسوار الصمت وتبقى عباراته خيولاً مربوطة إلى أعمدة الخوف، عاجزة عن حمل ما في صدره إلى الناس، كان يراقب الآخرين وهم يوزعون كلماتهم بخفةٍ فيزداد إحساسه بأن الصمت قدرٌ يختار ضحاياه بعناية.
وحين يحدق في مرايا الواقع يرتد بصره مذعوراً من قسوة المشاهد، وجوه مسحوقة وعالقة في وحل المعاناة، أجساد تحمل أثقال أيامها، وأرواح كُتب عليها أن تعبر فصول المرارة كما خطّها الزمن في سفر العذاب، كان يرى في كل وجهٍ شهادة على انهيار الرحمة، وفي كل عين سؤالاً مؤجلاً عن جدوى هذا العالم القاسي، ومع تتابع الصدمات خمدت استجابته للأحداث، وتباطأ ذكاؤه أمام اللحظات وهي تفرك عينيها وتبدأ مسيرها الشرس.
في أعماقه راحت أشباح خفية تمحو إرادته، بينما تتقاتل الملامح في جوفه كجيوش تبحث عن وطن، أغرقه التوهان في بحاره المتلاطمة، وحوله كان العالم يناقش بدائل الرأسمالية بعد أزمة اقتصادية كشفت هشاشة النظام، كانت العولمة تواصل إزالة ملامح الرحمة من الأسواق والقلوب، ارتفعت الأصوات الداعية إلى الحوار الوطني للخروج من عنق الزجاجة وبقي هو ساكناً لأن مساره الداخلي كان يمضي في اتجاه آخر يتجاوز صخب السياسة وضجيج المنابر، ووهم الخلاص السريع.
كان صمته موقفاً وجودياً خفياً واحتجاجاً بلا لافتةٍ على زمنٍ يقيس الإنسان بما يملك ويزن الروح بميزان المنفعة، شعر بأن النجاة الحقيقية تبدأ حين يسترد المرء بساطته ويصغي إلى نبضه الأول قبل أن تملأ الآلة سمعه وتعيد المدن صياغة قلبه على هيئة رقم في سجل الإحصاءات اليومية.
ترك لحيته تنمو على وجهه مثل شجيرات شوكية في صحراء منسية، فقدت الأجراس قدرتها على إيقاظ وعيه الذي يتدلى مشنوقاً ومبتسماً من حبل الزمان كأنه يسخر من المصير ومن صاحبه معاً، احترقت أطراف عقله وانقطع خيط انتمائه إلى عالم يفيض بالكوارث وأنين البشر، راوده شوق عميق إلى راحة أخيرة تمنحها يد القدر المحتوم فقد أرهقه التطور الزائف وبريق الحضارة الخادع، والبناء المتعالي فوق أساسات رخوة تتهيأ للسقوط.
وفي الوقت الذي كانت فيه أحلام الجيل ترفرف فيه عالياً ويندفع الناس خلف الثراء والمظاهر، كانت روحه تتجه نحو أزمنة آمنةٍ وبعيدةٍ كان يكتفي الإنسان فيها من الدنيا بما يصون كرامته ويبقيه حياً، وكان يحب الخير لأخيه من غير مقايضةٍ، ويصون الود من حسابات المصالح وصفقات الليالي المعتمة، كان يحلم بطريق يمر بين ظل شجرة ورابية، وبعربة تجرها خيول بريئة من لغة الأسهم والسندات، تعدو وهي لا تختزن الغدر في صدورها ولا تعرف الغل والكراهية.
كان يدرك أن تلك الأزمنة صارت أبعد من حلمٍ يمكن أن يُنال ومع ذلك ظل وفياً لرفضه بريق المظاهر وألوان الظلم وشهوة الامتلاك، بدا في عيون الآخرين خدشاً على ذاكرة الخريف، وواهماً يقيم داخل أسوار الأفكار الحالمة وجدران الغيوم، وقف على رصيف الزمن مذهولاً يحمل تعب السنين وحنينه المستحيل، وشيئاً من رماد قلبه، ينتظر الحنطور الذي سيقله إلى جهة لا يعرفها، لعل الطريق إلى هناك يكون أرحم من فاجعة الوصول.













