ميسرة الزين الشريف
أعاد الذكاء الاصطناعي طرح أحد أكثر الأسئلة رسوخًا في القانون بصياغة جديدة: من يُسأل عن القرار عندما لا يكون الإنسان هو من اتخذه بصورة مباشرة؟ فلم تعد الأنظمة الذكية مجرد أدوات تنفذ أوامر محددة، بل أصبحت تحلل البيانات، وتوازن بين البدائل، وتنتج قرارات تؤثر في الحقوق والمراكز القانونية للأفراد. فقد ترفض طلبًا ائتمانيًا، أو تستبعد متقدمًا لوظيفة، أو توقف معاملة مالية، أو تحدد مستوى المخاطر التأمينية، أو ترشح موظفًا لإنهاء خدماته، دون تدخل بشري مباشر في لحظة صدور القرار.
يقوم البناء التقليدي للمسؤولية القانونية على نسبة الخطأ إلى شخص محدد، ترتب على فعله ضرر، وثبتت العلاقة السببية بينهما. غير أن القرار الآلي يهز هذا البناء؛ لأنه غالبًا لا يكون نتيجة فعل منفرد، بل ثمرة منظومة تقنية تبدأ بتصميم الخوارزمية، وتمر باختيار بيانات التدريب وضبط النماذج، وتنتهي بتشغيل النظام والاعتماد على مخرجاته. وقد ينشأ الخلل في أي مرحلة من هذه المراحل، بما يجعل البحث عن المسؤول الحقيقي أكثر تعقيدًا من مجرد تحديد الفاعل المباشر.
فقد يكون النظام مصممًا وفق أعلى المعايير التقنية، لكنه تدرب على بيانات متحيزة أو غير مكتملة، أو استُخدم في غير الغرض الذي صُمم له، أو اعتمدت المؤسسة نتائجه دون رقابة بشرية فعالة. وفي هذه الحالة، لا يكون الضرر وليد خطأ واحد، بل نتيجة تفاعل قرارات متعددة صدرت عن المصمم، والمطور، والجهة المشغلة، والمستخدم المؤسسي، وهو ما يقتضي الانتقال من مساءلة الفرد إلى مساءلة منظومة اتخاذ القرار بأكملها.
ولا يعني ما تتمتع به الأنظمة الذكية من استقلال في معالجة البيانات أنها أصبحت أشخاصًا قانونيين. فالخوارزمية لا تملك ذمة مالية، ولا إرادة قانونية، ولا أهلية لتحمل الالتزام أو الجزاء. ومن ثم، فإن نسبة الخطأ إليها ليست سوى وصف تقني، أما المسؤولية القانونية فلا تزال تنصرف إلى الأشخاص الذين أنشأوا النظام، أو شغلوه، أو اعتمدوا مخرجاته.
كما لا يجوز للمؤسسات أن تتنصل من تبعات القرار الآلي بالقول إن النظام هو من قرر. فاختيار النظام، وتحديد نطاق استخدامه، وتزويده بالبيانات، ووضع ضوابط تشغيله، والثقة في مخرجاته، جميعها قرارات بشرية أو مؤسسية تستوجب تحمل آثارها القانونية. وكلما ازداد تأثير القرار في الحقوق والحريات، تعاظمت الحاجة إلى رقابة بشرية فعالة، وإلى تمكين المتضرر من مراجعة القرار والطعن فيه.
وتتجلى الإشكالية بصورة أوضح في مجال الإثبات؛ إذ قد يثبت المتضرر وقوع الضرر، لكنه يعجز عن النفاذ إلى السجلات التقنية، أو تحديد موضع الخلل داخل نظام مغلق تحتفظ الجهة المستخدمة ببياناته وآليات عمله. ومن ثم، فإن تحقيق العدالة في هذا المجال يقتضي تعزيز واجبات التوثيق، وحفظ سجلات اتخاذ القرار، وإجراء تقييمات مسبقة للمخاطر، والإفصاح عن العوامل الجوهرية المؤثرة في النتيجة، بما يوازن بين حماية الحقوق وصون الأسرار التجارية المشروعة.
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في منح الذكاء الاصطناعي شخصية قانونية، بل في تطوير قواعد إسناد المسؤولية بما يواكب طبيعة القرارات الآلية، وتحديد واجبات كل طرف أسهم في تصميم النظام، أو تطويره، أو تشغيله، أو الاعتماد عليه، بما يضمن بقاء الإنسان محور المساءلة القانونية.
فالقرار الآلي، وإن بدا مستقلًا في لحظة صدوره، لم ينشأ في فراغ، بل هو نتاج سلسلة متصلة من الاختيارات البشرية. ولهذا ينبغي ألا تتحول التقنية إلى ستار يحجب المسؤولية، بل إلى سبب يدفع إلى إعادة بناء قواعدها بما يواكب العصر ويحفظ الحقوق. فالذكاء الاصطناعي قد ينفذ القرار، لكنه لا ينبغي أن يحمل المسؤولية، لأن المسؤولية القانونية تظل، في نهاية المطاف، مسؤولية الإنسان.
مستشار قانوني
maysraelshareef9@gmail.com













