في الصميم
حسن أحمد حسن
صلة الدم ليست دائمًا صلة رحم
ليس كل من جمعك به الدم يستحق أن يُسمى قريبًا، وليس كل قريب يعرف معنى صلة الرحم. فهناك من يحمل اسم القرابة، لكنه لا يحمل أخلاقها، ولا يعرف حرمتها، ولا يخشى حساب الله فيها.
بعض الأقارب لا يكونون سندًا عند الشدائد، بل يكونون أول من يغرس الخنجر في الظهر. تراهم يبتسمون في وجهك، لكن قلوبهم تغلي بالحسد، وألسنتهم تنقل أخبارك، وأعينهم تترقب سقوطك، فإن تعثرت فرحوا، وإن نجحت تألموا، وإن أنعم الله عليك تمنوا زوال النعمة عنك.
هناك صلة رحم تجعل دمك مباحًا، لا بالسلاح، وإنما بالغيبة، والنميمة، والتشويه، وإشعال الفتن، وكسر الخواطر، وسلب الحقوق، ونشر الأكاذيب. يقتلونك ببطء، ويتركون في قلبك جراحًا لا يراها أحد.
أي مأساة أن يتحول القريب إلى خصم! وأي وجع أن تأتي الطعنة ممن كنت تظنه حصنك المنيع! فالعدو معروف، أما القريب الذي يخفي العداء خلف قناع المحبة فهو أشد خطرًا، لأنه يعرف نقاط ضعفك، ويعرف كيف يؤلمك.
لقد أمرنا الله بصلة الرحم لأنها سبب للرحمة والبركة وطول العمر، ولم يأمرنا بأن نستسلم للظلم أو نقبل الإهانة أو نسمح لأحد أن يدمر حياتنا باسم القرابة. فصلة الرحم لا تعني أن تصمت عن الظلم، ولا أن تفتح بابك لمن لا يزيدك إلا أذى.
إن أخطر أنواع الحسد هو حسد الأقارب، لأنه يولد من المقارنة، ومن المنافسة، ومن ضعف الإيمان. لذلك ترى بعضهم يحزن لفرحك أكثر مما يحزن لمصيبته، ويتألم لنجاحك أكثر مما يتألم لفشله، حتى يصبح همّه الوحيد أن يطفئ نورك.
القريب الحقيقي هو من يدعو لك في غيابك، ويفرح لنجاحك كأنه نجاحه، ويستر عيوبك، ويحفظ سرك، ويقف بجانبك إذا ضاقت بك الدنيا. أما من يحصي زلاتك، وينشر أسرارك، ويغذي الحقد في القلوب، فلا تنفعه رابطة الدم إذا فقد تقوى الله.
فلنراجع أنفسنا قبل أن نلوم الآخرين. ولنحذر أن نكون سببًا في قطع الأرحام أو نشر الحسد أو أكل الحقوق. فالقرابة شرف، وصلة الرحم عبادة، ومن خان هذه الأمانة فقد خسر الدنيا قبل الآخرة.
وفي الصميم أقول:
ليس كل من ناداك: يا ابن العم أو يا ابن الخال يستحق أن تسلمه قلبك. فالقريب الحقيقي ليس من شاركك الدم، بل من حفظ الود، وصان العهد، وخاف الله فيك. أما من ملأ قلبه بالحسد والكراهية، فقد أسقط بنفسه شرف القرابة، وبقي الاسم… ورحلت الرحمة.











