هالة هلال
أنا لا أعتبر نفسي من المهتمين بكرة القدم كرياضة بحتة، لكن حدث كأس العالم دائماً يلفت انتباهي من زاوية أخرى، زاوية تميل إلى قراءة ما يحدث كسلوك اجتماعي، لكونه مساحة تُعرض من خلالها أفكار ومواقف عن الهوية والانتماء والتحيزات دون قصد مباشر.
ومن بين أكثر اللحظات التي بقيت عالقة في ذهني في هذا السياق، تعليق Trevor Noah خلال كأس العالم 2018، حين قال جملة ساخرة أصبحت لاحقاً مادة لنقاش واسع: «أفريقيا فازت بكأس العالم»، في إشارة إلى المنتخب الفرنسي الذي ضم عدداً كبيراً من اللاعبين ذوي الأصول الأفريقية.
في البداية سُمعت الجملة كدعابة ذكية، لكن سرعان ما تحولت إلى سؤال أعمق بكثير: من يُنسب إليه الفوز حقاً؟ هل هو علم الدولة الذي يُرفع؟ أم الجذور التي صنعت اللاعبين؟ أم مسار الهجرة الطويل الذي أعاد تشكيل هوية الفرق الوطنية الحديثة؟
اللافت أن الجدل لم يبقَ في حدود الرياضة، بل امتد إلى الإعلام والنقاشات العامة وحتى الردود الرسمية، عندما قام الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون بإرسال رسالة إلى الكوميديان تيرفو نواه، يقول فيها: «هؤلاء اللاعبون فرنسيون، بغض النظر عن أصولهم العائلية، والقول إن أفريقيا هي التي فازت يحرمهم من هويتهم الفرنسية، ويعكس نظرة تختزلهم في أصولهم».
وجاء رد نواه لاحقاً ليشرح الفكرة بصورة أكثر وضوحاً، قائلاً: «الاعتراف بأن لاعبين فرنسيين لهم جذور أفريقية لا ينتقص من فرنسيتهم. يمكن للإنسان أن يكون فرنسياً بالكامل، وفي الوقت نفسه يعتز بجذوره السنغالية أو المالية أو الكاميرونية أو الجزائرية. الهوية ليست لعبة “إما… أو”، بل يمكن أن تكون “هذا… وذاك” معاً. عندما أقول إنهم أفارقة، فأنا لا أنفي عنهم فرنسيتهم، بل أضمهم إلى أفريقيتي. لماذا لا يمكن أن يكونوا فرنسيين وأفارقة في الوقت نفسه؟».
أعتقد أن رد نواه كان محاولة لفتح العين على واقع كرة القدم، حيث لم تعد المنتخبات كيانات مغلقة الهوية، بل أصبحت نتاج حركة بشرية واسعة عبر القارات.
ومع هذا الفهم، يصبح من الصعب النظر إلى كأس العالم 2026 بالطريقة الرياضية المجردة فقط، لأن ما نراه اليوم في أغلب المنتخبات الكبرى، بما فيها المنتخب الكندي، هو تنوع عرقي وثقافي أوضح من أي وقت مضى، مع حضور لافت للاعبين من أصول أفريقية وخلفيات مهاجرة.
لذلك عاد إلى ذهني تعليق نواه ليعمل كعدسة تفسير: هل نحن أمام منافسة بين دول، أم أمام سردية عالمية عن الهجرة وإعادة تشكيل الهوية عبر الرياضة؟
وفي النهاية قد يُكتب اسم بطل واحد في السجل الرسمي، لكن القراءة الأعمق تُظهر أن أفريقيا، بجذورها الممتدة وحضورها داخل هذا التنوع العالمي، ليست مجرد طرف خارجي، بل عنصر داخل بنية اللعبة نفسها، بطريقة تجعل معنى «الفوز» أقل حدة من معنى الوجود المستمر في قلب المشهد.
ليصبح سؤال «من فاز؟» أقل أهمية من سؤال: «كيف أصبح هذا الفوز ممكناً؟».
أفريقيا لا تفوز فقط، بل هي موجودة في كل فوز يُكتب في تاريخ كرة القدم، لتثبت أنها القارة الأم لأصل البشرية.
مع خالص الأمنيات بالشفاء العاجل للنجم Ismaël Koné بعد إصابته في مباراة كندا وقطر.











