د. أحمد علي قلم.
سرطان الثدي في السودان ليس مجرد مرض .. بل معركة من أجل حياة وكرامة المرأة .
في أكتوبر من كل عام ، يتحول العالم إلى اللون الوردي .
لكن خلف هذا اللون قصة أكثر قسوة من أن تختصر في شريط وردي أو حملة إعلامية عابرة ، قصة ملايين النساء اللواتي واجهن سرطان الثدي ، وقصة أسر تغيرت حياتها ، وأمهات غادرن أبناءهن ، وبنات فقدن أمهاتهن ، ونساء كان يمكن إنقاذهن لو وصل إليهن التشخيص والعلاج في الوقت المناسب .
لذلك ، فإن أكتوبر الوردي ليس مناسبة للاحتفال ، بل فرصة للتذكير بأن مكافحة سرطان الثدي مسؤولية صحية وإنسانية و مجتمعية ، وأن حياة المرأة يجب أن تكون في مقدمة أولويات أي نظام صحي يريد أن يحمي المجتمع .
من أين جاء أكتوبر الوردي ؟
بدأت جهود التوعية المنظمة بسرطان الثدي في عام 1985، عندما أطلقت الجمعية الأمريكية للسرطان بالتعاون مع شركة Imperial Chemical Industries حملة توعية ركزت على الكشف المبكر والتصوير الشعاعي للثدي . ومع مرور السنوات توسعت المبادرة وأصبح شهر أكتوبر محطة عالمية للتوعية بسرطان الثدي .
وفي عام 1992 برز الشريط الوردي بوصفه رمزاً عالمياً للتوعية بالمرض ، ومنذ ذلك الوقت أصبح أكتوبر مرتبطاً برسالة واحدة : التوعية ، والكشف المبكر ، والعلاج ، ومساندة المصابات والناجيات .
لكن التحدي الحقيقي هو ألا يتحول أكتوبر إلى مجرد شهر للحديث عن المرض ، ثم تعود الأمور إلى ما كانت عليه بعد انتهاء الشهر .
أرقام عالمية لا يمكن تجاهلها ..
سرطان الثدي هو أكثر أنواع السرطان شيوعاً بين النساء في العالم .
وتشير أحدث بيانات منظمة الصحة العالمية إلى أنه في عام 2024 تم تشخيص نحو 2.4 مليون امرأة بسرطان الثدي حول العالم ، فيما توفيت نحو 694 ألف امرأة بسببه . وكان سرطان الثدي أكثر أنواع السرطان شيوعاً بين النساء في 164 دولة من أصل 186 دولة .
وهناك حقيقة أخرى شديدة الأهمية : نحو 80% من حالات سرطان الثدي تحدث لدى نساء لا توجد لديهن عوامل خطر محددة سوى كونهن نساء والتقدم في العمر . وهذا يعني أن الاعتقاد بأن المرض لا يصيب إلا من لديهن تاريخ عائلي أو عوامل خطورة واضحة يمكن أن يكون اعتقاداً مضللاً .
لكن الرقم الأكثر إيلاماً ليس عدد الإصابات وحده، بل الفجوة الهائلة في فرص النجاة بين الدول الغنية والدول محدودة الموارد .
فبحسب منظمة الصحة العالمية ، يقل معدل الإصابة بسرطان الثدي في البلدان منخفضة الدخل ، لكن فرص البقاء تكون أسوأ بصورة كبيرة بسبب التأخر في التشخيص وصعوبة الوصول إلى العلاج المناسب . وتقدر منظمة الصحة العالمية أن نسبة البقاء لخمس سنوات في البلدان منخفضة الدخل تبلغ نحو 41.9% فقط.
وهنا تكمن المفارق :
المرأة في البلد الفقير قد تكون أقل احتمالاً لأن تُشخَّص مبكراً ، لكنها أكثر عرضة لأن تموت عندما تصاب بالمرض .
العالم الثالث .. حيث يتحول المرض إلى معركة مضاعفة
في الدول ذات الموارد المحدودة، لا تبدأ معاناة المرأة عندما يظهر الورم فقط .
قد تبدأ قبل ذلك بكثير : بغياب المعلومات، وضعف الوعي ، وبعد المسافة عن المركز الصحي ، وصعوبة الحصول على الفحص ، وتكلفة التصوير والتحاليل ، ثم الانتظار للحصول على التشخيص ، ثم البحث عن الجراحة أو العلاج الدوائي أو الإشعاعي .
ولهذا تؤكد منظمة الصحة العالمية أن نحو 70% من وفيات سرطان الثدي تقع في البيئات محدودة الموارد . كما تشير إلى أن ضعف الوعي والحواجز التي تحول دون الوصول إلى الخدمات الصحية يؤديان إلى اكتشاف كثير من الحالات في مراحل متقدمة .
وفي عام 2021 أطلقت منظمة الصحة العالمية المبادرة العالمية لسرطان الثدي (GBCI) بهدف خفض الوفيات الناجمة عن المرض بنسبة 2.5% سنوياً بحلول عام 2040 ، بما يمكن أن ينقذ نحو 2.5 مليون حياة ، من خلال ثلاثة محاور رئيسية : تعزيز الكشف المبكر ، وتسريع التشخيص ، وتوفير العلاج الشامل .













