بوح الحبر
د. الحبر عبد الوهاب
في إحدى محليات شمال الخرطوم أعلن مكتب التعليم وجود وظائف شاغرة في المدارس الثانوية لمختلف التخصصات، وفتح الفرص للخريجين من الجنسين للتقديم لتلك الوظائف، لكن لم يتقدم أحد من الذكور فاضطر المكتب لتعيين العنصر النسائي فقط.
إحجام الشباب الذكور عن العمل في قطاع التعليم له مبرراته، والتي يأتي في مقدمتها ضعف المرتب الذي يُعيّن به الخريج، حيث إنه محدد بـ (80) ألف جنيه فقط، وهو مبلغ لا يغطي ثمن “الفطور” لشخص واحد لمدة شهر ـ يقدر بـ (4) آلاف جنيه لطبق الفول.
ومن الأسباب التي تدعو لعزوف الشباب الذكور عن الانخراط في مجال التدريس ضعف معاش نهاية الخدمة بعد وصول المعلم إلى سن التقاعد. يحكي لي صديقي الأستاذ (عبده) الذي عمل في مجال التعليم الابتدائي لمدة 45 عامًا متنقلًا في نواحي السودان المختلفة، شماله وجنوبه وشرقه وغربه، أنه أُعطي معاشًا بلغ (5) ملايين جنيه فقط، مع معاش شهري أقل من (80) ألفًا في الشهر.
كما أن من المفارقات العجيبة أن هناك من أُحيل للمعاش منذ فترة ليست بالقصيرة، وتوقفت مرتباته لكنه أيضًا لم يستلم معاشه، فكابد الأمرّين: توقف مرتبه، وعدم استلام معاشه.
لكل ما سبق اقتصرت وظائف التدريس على العنصر النسائي، ربما بسبب قلة التزاماتهن المعيشية مقارنة بالتزامات الذكور. وتبعات تدني العائد المادي للمعلمين أفرز واقعًا معقدًا، من ضمن نتائجه اتجاه المعلمين للمدارس الخاصة التي تعطي مرتبات أعلى مما تعطي الحكومة، وشبه جفاف المدارس الحكومية من المعلمين الذكور، وازدياد الضغط على الأسر التي يدرس أبناؤها وبناتها في مدارس حكومية، وذلك بالإيفاء ببعض متطلبات طاقم التدريس، كوجبة الفطور مثلًا، وتوفير بعض المواد التعليمية مثل الطباشير. ومنها كذلك عدم ارتباط المعلم/ المعلمة بالمدرسة كثيرًا، إذ تنتهي العلاقة بينهما بانتهاء الحصة، ليكون بعد ذلك الخروج من بوابة المدرسة والبحث عن مصدر رزق إضافي لزيادة الدخل.
صحيح أن البلاد في حالة حرب آثارها كارثية، لكن هذا الوضع المتردي معروف ما قبل الحرب، أعني ظلم المعلم الذي من حقه الحصول على متطلباته الحياتية الأسرية في بلد يعاني من معدلات فلكية في زيادة التضخم.
وأخيرًا، غني عن القول تكرار أن الأمة التي لا تقدر معلميها لن تنهض أبدًا.













