في الصميم
حسن أحمد حسن
منذ سنوات طويلة، ونحن نسمع المقولة الشهيرة: “الخال والد… والعم مُربٍّ.” حتى أصبحت جزءًا من ثقافتنا الشعبية، يتداولها الناس في المناسبات والمجالس وكأنها حقيقة لا تقبل النقاش.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل ما زالت هذه المقولة تعكس واقع الأسر؟
من هو الأحن؟… الخال أم العم؟
وهل الحنان يُورث بالقرابة، أم يُصنع بالمواقف؟
هناك من يرى أن الخال أقرب إلى أبناء أخته، لأن قلبه يميل إليها، فينعكس ذلك حبًا واهتمامًا بأبنائها. وهناك من يؤكد أن العم هو الامتداد الحقيقي للأب، يحمل همَّ أبناء أخيه، ويحفظهم بعد غيابه، ولذلك قيل عنه إنه “مُربٍّ”.
لكن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي أن الحنان لا يسكن لقبًا، وإنما يسكن قلبًا.
كم من خالٍ كان أبًا حقيقيًا، احتضن أبناء أخته وربّاهم وأنفق عليهم حتى كبروا، ولم يشعروا يومًا أنهم فقدوا سندًا.
وفي المقابل، كم من عمٍّ وقف موقفًا بطوليًا، فكان الحامي والسند والمعلم، ولم يسمح لليُتم أو الحاجة أن تكسر أبناء أخيه.
وفي الجانب الآخر، رأينا أيضًا خالًا انقطعت أخباره، وعمًّا أغلق بابه، فضاعت الأرحام بسبب خلافات الكبار، ودفع الأبناء ثمنًا لم يرتكبوه.
المشكلة ليست في الخال ولا في العم…
المشكلة حين تموت صلة الرحم، ويصبح الدم مجرد اسم في شجرة العائلة، لا أثر له في الواقع.
أجمل العائلات ليست تلك التي تتباهى بعدد أفرادها، وإنما التي يتسابق فيها الخال والعم على احتضان أبناء الأسرة، ومساندتهم وقت الشدة، والفرح بنجاحهم، والوقوف معهم عند الحاجة.
فالطفل لا ينسى من مسح دموعه، ولا الشاب ينسى من أمسك بيده، ولا الأسرة تنسى من وقف معها عندما غاب الجميع.
لذلك، لا تجعلوا هذه المقولة سببًا للمقارنة أو المفاضلة بين أهل الأم وأهل الأب، بل اجعلوها دعوةً للتنافس في المحبة، والتراحم، وصلة الرحم.
فالخال إذا كان والدًا، فذلك شرف له.
والعم إذا كان مُربّيًا، فذلك فخر له.
أما أعظم الألقاب جميعًا، فهو أن يقول الأبناء يومًا:
“كان لنا خالٌ وعمٌّ… وكلاهما كان أبًا حين احتجنا إلى الأب.”
في النهاية…
الرحم لا تُقاس بالألقاب، بل بالمواقف. فكم من قريبٍ كان أبعد من الغريب، وكم من خالٍ أو عمٍّ كتب اسمه في القلوب قبل أن يُكتب في شجرة العائلة. فاحفظوا أرحامكم، لأن الأيام تدور، وما تزرعونه اليوم في قلوب أبناء إخوتكم وأخواتكم، ستجدونه غدًا وفاءً ومحبةً ودعاءً لا ينقطع.













