مشاركة
أحمد حسن حيمورة
كلمة «إستكراد» من الكلمات التي سادت قبل مدة، وتعني الاستغفال أو التعامل مع الشخص باعتباره ساذجاً أو مغفلاً. ورغم قلة استخدامنا لهذه الكلمة، خاصة بعد أن صار الكثير من الشباب يستخدم بدلاً عنها كلمة مستهجنة، إلا أنها خطرت ببالي مراراً خلال رحلات النزوح إبان هذه الحرب اللعينة.
فقد ظل هذا الاستكراد يُمارس علينا علناً من قبل سماسرة السفر البري بمختلف مركباته، ومن قبل شركات السفر الجوي الوطنية التي ينتهي اسمها باللام المقرونة بكلمة الطيران، ثم من وسطاء الإيجارات في كل أقاليم السودان، وحتى خارج السودان.
وما يغيظ في استكراد السوداني لأخيه السوداني، هو أن الطرف المستكرَد ـ بفتح الراء ـ يعلم أنه مستكرَد، والطرف المستكرِد ـ بكسر الراء ـ يعلم أن المستكرَد يعلم أنه مستكرِد، ولكم وضع التشكيل فوق الحروف كيفما بدا لكم.
قبل خروجنا من السودان، لاحظنا ظاهرة دخول الفنانات ـ ولا أريد، إلى حين، تسميتهن بالقونات ـ إلى ساحات الحفلات وهن مخفورات بمجموعة من (البودي قاردس) المتزيئين بالتيشيرتات الموحدة الضيقة، التي تبرز العضلات و(المقانص). ورغم بعض الاستهجان الذي قوبلت به هذه الظاهرة، إلا أن التعجب صاحب استخدام بعض الفنانين الشباب أيضاً لهؤلاء القبضايات في حلهم وترحالهم بين الحفلات، مما جعل الـ(سينير سيتيزن) من أمثالنا يترحمون على الأيام التي كان فيها الفنانون يتأبطون (عكاكيزهم) المضببة وهم يتغنون؛ تحسباً لأي سلوكيات تندرج تحت بند (الفرتقة).
وظاهرة الحماية الشخصية بالطبع لا تعتبر استكراداً، وهو ـ على كل حال ـ شأنهم. لكن ما استفزني قبل مدة قصيرة، وجالت بخاطري شبهة هذا الاستكراد مصحوبة بغضب مكبوت؛ ظاهرة جديدة استشرت في حفلات بعض ـ وأقولها هذه المرة ـ (القونات).
فقد دُعيت إلى حفل استُجلبت له خصيصاً ـ نزولاً على رغبة العروس ـ مطربة سودانية شابة من القاهرة، امتهنت ترديد أغاني الغير، ثم اشتهرت عبر (بايب لاين) برنامج «أغاني وأغاني» في موسمه الأخير. وقد تكفل أصحاب الحفل برحلتها إلى دبي وإقامتها، ثم علمت أن أتعابها بالدولار بلغت رقماً أقل قليلاً من الرقم عشرة بعد أن وضع العريس على يمينه ثلاثة أصفار.
إلى هنا، والأمر لا يتعدى اتفاقاً لا يخرج عن شريعة المتعاقدين. لكن ما أظنه استكراداً حقيقياً هو أن الحفل تم إحياؤه بطريقة الـ(Lip Sync)، وهي طريقة يستخدمها كبار الفنانين في الغرب حينما يتفاعلون مع الجمهور بالرقص والتفاعل المباشر معه (Play Back).
وفي هذه الحالة لا يغني الفنان (لايف) (Live) فعلياً، بل يقوم بتحريك شفتيه لتتطابق تماماً مع صوت الأغنية المسجلة مسبقاً في الاستوديو، والتي تنبعث من مكبرات الصوت، لكنه يشعل الساحة رقصاً ويحصل على تجاوب الجمهور الذي يأتي خصيصاً لرؤيته.
فنانة الحفل هذه كانت تقف على المسرح مستقيمة القد والعود، جامدة لا تتحرك، وهذا من حقها. وكل ما فعلته هو الإمساك بالمايك والتفضل بتحريك شفتيها. فإذا افترضنا أنها تتحلى بقدر من المحافظة، وبقدر من الانضباط يمنعها من التمايل والتقصع، فما العلة التي تمنعها من الغناء وقد تم إحضارها كي تغني؟ وقد قامت ـ مشكورة وربما إمعاناً في التمويه ـ بإحضار أورغن مع صاحبه الذي كان يجلس خلفه مثل (التايبست)، بينما تكفل فني الصوت بإيصال أدائها المسجل، أو قل المعلب، عبر المكبرات الضخمة إلى الجمهور.
والحق أنني لا أدعو هذه المطربة الشابة إلى التبذل المستهجن الذي تبديه بعض المطربات الشابات وغير الشابات على خشبات المسارح، ولكنني أتساءل عن مغزى دفع كل هذه التكاليف نظير حضور (مؤدية) ووقوفها على المسرح دون أن تغني، بينما تتوفر إمكانية الحصول على صوتها عبر أي متعهد لما يسمى بـ(DJ).
بعد الحفل لم تزايلني الدهشة و(الشمار)، لدرجة أنني سألت بعض أهل العرس عن رأيهم في أداء الحفل بهذه الطريقة، فذكروا عدم موافقتهم، وبعضهم أشار إلى التكلفة العالية لانتقال أفراد بقية فرقتها، لكنهم أوضحوا لي أن المسألة في نهاية الأمر، بالنسبة للعروس وأخواتها، كانت مسألة (برستيج).
فهذه الفنانة هي «الترند» هذه الأيام، وللناس في ترندهم شؤون.
و… رحم الله حواء الطقطاقة.













