داخل السرب
أيمن مبارك أبو الحسن
بالنسبة للسواد الأعظم من مشجعي كرة القدم، يطغى شغف اللعبة عادة على كل ما سواه، فتظل القضايا التنظيمية والإدارية التي تدور داخل أروقة الفيفا بعيدة عن اهتمام غالبية المشجعين. فلا يعنيهم كثيراً إن بقي جياني إنفانتينو رئيساً أو جاء غيره، بقدر ما تعنيهم تمريرات رودريغو، ومهارات ميسي، وتصويبات هالاند، وفوز هذا المنتخب أو خسارة ذاك. لكن المشجع قد يجد نفسه مضطراً إلى الاهتمام بما يجري داخل الفيفا، عندما يدرك أن القضية تجاوزت الشؤون الإدارية والتنظيمية، لتلامس مستقبل اللعبة نفسها.
قبل يومين أثار رئيس الفيفا، جياني إنفانتينو جدلاً واسعاً بعدما طرح مقترحاً يقضي بنقل الحقوق التجارية للفيفا إلى شركة مستقلة هادفة للربح، ثم بيع حصة تبلغ 20% منها لمستثمرين من القطاع الخاص، على أن تتولى الشركة الجديدة إدارة جميع الحقوق التجارية للفيفا بما في ذلك حقوق البث التلفزيوني والرعاية التجارية والتسويق وسائر الأنشطة التجارية المرتبطة بكأس العالم.
وبحسب المقترح، كانت الاتحادات الوطنية الأعضاء في الفيفا، وعددها 211 اتحاداً، ستحصل على أربعين مليون دولار لكل منها. ظاهرياً يبدو المقترح وسيلة لزيادة موارد الاتحادات، لكنه سيفتح الباب أمام مستثمرين للنظر إلى بطولات الفيفا وحقوقها التجارية بوصفها أصولاً مالية هدفها تحقيق عوائد متنامية، وبالتالي اخضاعها لمنطق العائد الاستثماري.
ولذلك جاء الرفض قاطعاً بشكل غير مسبوق. وكان أشد المواقف حدة بيان الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (اليويفا) الذي أكد أن (روح كرة القدم وطريقة إدارتها ليستا أصولاً قابلة للبيع)، قبل أن يعلن بإجماع أعضائه مقاطعة جميع بطولات الفيفا بما فيها كأس العالم.
ولم يقتصر الاعتراض على أوروبا وحدها إذ أعلن اتحاد الكونكاكاف الذي يضم اتحادات أمريكا الشمالية والوسطى والكاريبي رفضه للمشروع، كذلك اعترض الاتحاد الآسيوي لكرة القدم. لم يكن الاعتراض موجهاً ضد موضوع الاستثمار فحسب، وإنما إلى غياب الشفافية في إعداد المقترح، والانفراد باتخاذ القرار، وعدم استشارة الاتحادات القارية والوطنية، فضلاً عن تحويل بطولات كرة القدم التي تمثل إرثاً شعبياً إلى أصل مالي يخضع لمصالح فئة من المستثمرين.
وامتدت الاعتراضات إلى داخل الفيفا نفسها حيث أعلن كارلوس كورديرو كبير مستشاري إنفانتينو، وأحد أبرز مهندسي تنظيم النسخة الأخيرة من كأس العالم استقالته من منصبه احتجاجاً على المقترح.
ومع اتساع موجة الرفض، وفشل إنفانتينو في حشد التأييد لمقترحه، لم يجد أمامه سوى التراجع وسحب المقترح، معلناً في بيان أن (الاستماع إلى مختلف الآراء أظهر أن المشروع أحدث انقسامات لم تعد تخدم الهدف الذي طُرح من أجله).
ورغم سحب المقترح، فإن تداعياته لن تتوقف عند هذا الحد. لقد كان إنفانتينو حتى وقت قريب يسير نحو ولاية جديدة بأقل قدر من المقاومة، أما الآن فيبدو أنه مقبل على معركة انتخابية مختلفة قد تعيد إلى الواجهة ملفات عديدة ظلت مؤجلة داخل الفيفا.
غير أن هذه القضية لا تُختزل في إنفانتينو أو في مقترحه الأخير، فالمشروع تم سحبه على كل حال، كما أن الوجوه قد تتبدل في قيادة الفيفا، لكن السؤال الذي أعادته هذه الأزمة بشكل أكثر جدية: إلى أين تمضي كرة القدم؟
فما أثاره هذا المقترح لم يكن سوى واجهة لنقاش أوسع حول التحول الذي تعيشه كرة القدم منذ سنوات. فقد عٌرفت بكونها مساحة إنسانية مشتركة يتساوى فيها الناس، ويجتمعون حول الشغف والأمل والانتماء، قبل أن يتسع الحضور التجاري فيها إلى حدٍ لم يعد يقتصر على البث والرعاية والإعلانات، بل امتد إلى مختلف تفاصيلها، حتى أصبح المشجع يُنظر إليه بوصفه مستهلكاً، واللاعب أصلاً استثمارياً، والمباراة فرصة لتعظيم العائد المالي.
فما الذي تبقى من كرة القدم إذا أصبحت كل عناصرها قابلة للبيع؟
ربما لهذا السبب لم يعد ما يدور داخل مكاتب الفيفا شأناً إدارياً بعيداً عن اهتمام المشجعين. فحين تمتد الحسابات التجارية إلى روح اللعبة نفسها، يصبح من حق المشجع أن ينشغل بما يحدث خارج المستطيل الأخضر، لأن ما يُتخذ هناك من قرارات قد يرسم ملامح اللعبة التي أحبها العالم وما يزال.













