من الشاشة إلى ساحات العطاء.. مسيرة إعلامية لا تنطفئ
بقلم: د. هشام محمد أحمد
كم من مذيع غاب عن الشاشة… فغاب عن الذاكرة؟
وكم من إعلامي انتهى حضوره بانطفاء أضواء الاستديو؟
لكن هناك أسماء لا تحتاج إلى كاميرا حتى تُرى… ولا إلى ميكروفون حتى تُسمع.
إيمان أحمد دفع الله… واحدة من تلك الأسماء.
لم تكن مجرد مذيعة جميلة تطل على المشاهدين، بل كانت مشروعاً ثقافياً متكاملاً، جمع بين الإعلام والأدب والشعر والإنسانية، حتى أصبحت واحدة من أبرز الوجوه التي صنعت العصر الذهبي للتلفزيون السوداني.
ولدت ونشأت في حي أبوروف بأم درمان، ذلك الحي الذي أنجب القامات الفكرية والإبداعية، وترعرعت وسط بيئة ثقافية زاخرة بالأدب والشعر، وكان الصحفي الكبير بشير محمد سعيد من أقاربها، بينما صقلت الجمعيات الأدبية والثقافية شخصيتها منذ سنواتها الأولى.
لكن بداية الحكاية كانت مختلفة…
حين اصطحبها الدكتور بشير صالح إلى الدكتور عمر الجزلي قائلاً:
“أنا جبت ليك مذيعة جاهزة.”
وكانت بالفعل جاهزة…
جاهزة بالحضور… والثقافة… واللغة… والكاريزما.
قدمت برامج أصبحت جزءاً من ذاكرة السودانيين، من بينها (من القلب إلى القلب)، و(مشوار المساء)، و(من الأرشيف)، إلى جانب العديد من برامج المنوعات التي كانت ترى فيها روح التلفزيون الحقيقي، لأنها تدخل البيوت مباشرة وتصنع علاقة إنسانية مع المشاهد.
ولم يكن الإعلام وحده عالمها…
فهي شاعرة لها ديوان “عمر تاني”، وكاتبة تؤمن بأن الكلمة مسؤولية قبل أن تكون مهنة.
وكانت تؤكد دائماً أن نجاح المذيع لا يصنعه الجمال، بل تصنعه الثقافة والاطلاع والانضباط، لذلك واصلت دراساتها العليا في الإعلام، وكانت ترى أن التعلم رحلة لا تتوقف.
وعندما بدأت هجرة المذيعين إلى الفضائيات العربية، جاء موقفها مختلفاً، فقالت إنها لا تبحث عن الشهرة خارج السودان، وإن غادرت فسيكون ذلك من أجل الدراسة أو العمل الأكاديمي، لأن شاشة السودان بالنسبة لها ليست مجرد مؤسسة، بل بيت كبير يحمل هوية الوطن.
واليوم… وبينما اختفى كثيرون بعد أن غادرتهم الأضواء، اختارت إيمان أحمد دفع الله طريقاً آخر…
طريق الإنسان. . فمع اندلاع الحرب السودانية، لم تكتفِ بالحزن من بعيد، بل تحولت إلى واحدة من الوجوه الوطنية الداعمة للمبادرات الإنسانية، وأسهمت بفاعلية في دعم السودانيين بمصر، وساندت مبادرة “أجنة الأمل للعودة الطوعية”، مؤمنة بأن السودان لن ينهض إلا بعودة أبنائه وإعادة بناء ما دمرته الحرب.
لقد أثبتت أن الإعلام الحقيقي لا ينتهي بخروج المذيع من الاستديو…
بل يبدأ عندما يشعر الناس أن صاحب الرسالة يقف معهم في الشدة قبل الرخاء.
لهذا بقيت إيمان أحمد دفع الله اسماً محفوراً في ذاكرة الإعلام السوداني، ليس فقط لأنها أبدعت أمام الكاميرا، بل لأنها بقيت وفية للإنسان السوداني أينما كان.













