داليا الأسد
التكاتف المجتمعي ركيزة أساسية لبناء الأوطان وتطورها، وهو يتطلب خلق مساحات للحوار والتعاون تتجاوز حدود العشيرة والقبيلة، وتتغلب على التعصب القبلي، وتعمل على تعزيز مفهوم المواطنة التي تساوي بين الجميع أمام القانون، ونشر قيم التسامح والعدالة الاجتماعية، لتصبح قوة الفرد نابعة من قوة مجتمعه بأكمله.
ومن أبرز المفاهيم والآليات العملية لتحقيق التكاتف الحقيقي ونبذ القبلية تجنب التناحر، لأن العصبية القبلية تؤدي غالباً إلى إثارة الأحقاد والبغضاء والتناحر بين أبناء الوطن الواحد، كما تضعف مبدأ تكافؤ الفرص، إذ إن التعصب يلغي معايير الكفاءة لصالح المحسوبية، مما يضعف مؤسسات الدولة ويؤثر سلباً على المصلحة العامة. لذلك لا بد من تحويل الولاء من نطاق القبيلة الضيق إلى الوطن الأوسع.
ومن أهم ركائز التكاتف المجتمعي المواطنة المتساوية، وترسيخ مبدأ أن الحقوق والواجبات تحددها قوانين الدولة، لا الانتماءات العرقية أو القبلية، وأن العدالة الاجتماعية تضمن توزيع الموارد والخدمات بصورة عادلة، بما يسهم في إنهاء التهميش الذي يدفع بعض الناس للالتفاف حول قبائلهم طلباً للحماية.
كما يبرز الدور المهم للتعليم والثقافة من خلال إدخال مفاهيم التعايش السلمي وقبول الآخر والوحدة الوطنية في المناهج الدراسية ووسائل الإعلام، إلى جانب سن التشريعات الرادعة التي تجرّم الخطاب العنصري وتحاسب كل من يثير النعرات القبلية والمناطقية.
ومن مخاطر العصبية القبلية التعصب للقبيلة أو العشيرة، لأنه ينتج أضراراً بالغة تدمر بنية الدولة وتماسكها. ومن أبرز هذه الأضرار غياب العدالة، ونصرة الفرد لقبيلته بالحق أو الباطل، الأمر الذي يطمس الحقوق ويفتت النسيج الاجتماعي، ويؤدي إلى انتشار الكراهية والأحقاد والنزاعات المسلحة بين المكونات المختلفة، فضلاً عن إعاقة مسيرة التنمية.
وتتجلى فوائد التكاتف المجتمعي عندما يتجاوز الأفراد النزعات الفئوية، فيحقق المجتمع مكاسب استراتيجية شاملة، منها الأمان النفسي وشعور الفرد بالانتماء إلى كيان وطني يحميه دون تمييز، وتعزيز التكافل الاجتماعي لدعم الفئات الضعيفة والمحتاجة، وتهيئة بيئة مناسبة للإبداع، تتفرغ فيها العقول للبناء والتطوير بدلاً من الانشغال بصراعات البقاء. كما يسهم ذلك في ترسيخ سيادة القانون وتطبيق العدالة والمساواة على الجميع بمعيار واحد، عبر آليات تعزز التضامن وتنبذ التعصب، وتساعد في القضاء على الجاهلية القبلية وبناء الوعي المجتمعي.
ولا بد من اتخاذ خطوات عملية قوية وصارمة، خاصة بعد ما واجهته البلاد من ويلات الحرب والتشتت، وذلك عبر تطوير التعليم وترسيخ مناهج تركز على قيم المواطنة المشتركة وحقوق الإنسان، ونشر محتوى إعلامي يعزز الهوية الوطنية الجامعة ويذيب الفوارق الفئوية.
كما أن تحقيق العدالة الاقتصادية من خلال توزيع الثروات والمشروعات التنموية بصورة متوازنة بين المناطق يسهم في تعزيز الوحدة الوطنية، فيما يضطلع المثقفون وقادة الرأي بدور مهم في توعية المجتمعات بخطورة النعرات القبلية وآثارها السلبية.
فالقبيلة في أصلها وسيلة للتعارف وصلة الرحم، وليست وسيلة للتفاخر أو الإقصاء. وقد حذر الرسول ﷺ من العصبية بقوله: «ليس منا من دعا إلى عصبية».
فنتمنى أن يدوم سوداننا الحبيب بخير، وأن ينعم بالأمن والاستقرار، وأن يتعافى من كل الفتن والدسائس، وأن يظل التكاتف المجتمعي سبيلاً لوحدته ونهضته وتقدمه.













