رأي رياضي .. إبراهيم عوض
أحدث توقف النسخة الورقية من صحيفة «الرياض»، بعد مسيرة امتدت لأكثر من ستة عقود، صدى واسعًا في الأوساط الصحفية والإعلامية السعودية، وهي تطوي مرحلة طويلة من تاريخ صحيفة كان لها حضور مؤثر في المشهد السعودي، وأسهمت عبر عقود في توثيق التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والرياضية.
لم تكن «الرياض» مجرد صحيفة تصل إلى القراء كل صباح، بل كانت جزءًا من ذاكرة الصحافة السعودية ومدرسة مهنية عبرت من خلالها أسماء بارزة، وواكبت مراحل مهمة من تطور المملكة. لذلك، فإن توقف نسختها المطبوعة لا يمكن النظر إليه باعتباره خبرًا عابرًا، بقدر ما يمثل مؤشرًا جديدًا على التحولات الكبيرة التي يشهدها الإعلام.
تلحق «الرياض» بزميلات سبقتها إلى مغادرة عالم الطباعة، في ظروف فرضتها ثورة الاتصال والتطور الرقمي وتغير عادات القراء، إلى جانب ارتفاع تكاليف الطباعة والتوزيع وتراجع سوق الإعلان الورقي.
والأكيد أن قرارًا بحجم إيقاف النسخة الورقية لصحيفة عريقة لم يكن اعتباطيًا، وإنما جاء، دون شك، بعد دراسة للمتغيرات التي تحيط بصناعة الصحافة، شأنها في ذلك شأن صحف أخرى اتخذت القرار نفسه.
ففي زمن المنصات الرقمية، أصبح القارئ يتلقى الخبر لحظة وقوعه، ويتابع التحليل والصورة والفيديو عبر هاتفه المحمول، بعدما كان ينتظر حتى صباح اليوم التالي ليقرأ تفاصيل الأحداث في الصحيفة، خصوصًا في الحقبة التي سبقت انتشار الفضائيات والإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي.
ولي في صحيفة «الرياضية»، التي عملت بها لأكثر من عشرين عامًا، تجربة تجعلني أكثر إدراكًا لحجم هذا التحول. عشت عهدها الذهبي، وشهدت سيطرتها على سوق التوزيع في نهاية التسعينيات وبداية الألفية، ثم عايشت، بعد سنوات طويلة، لحظة توقف نسختها الورقية مطلع عام 2024.
كانت «الرياضية» في سنوات ازدهار الصحافة الورقية تطبع يوميًا ما بين 150 و200 ألف نسخة، وتحقق نسبة مبيعات تتجاوز 90 في المئة.
ولا أنسى عندما تأهل المنتخب السعودي إلى نهائي كأس آسيا في لبنان عام 2000، إذ تجاوز توزيع «الرياضية» 201 آلاف نسخة. يومها زارنا الأمير الراحل أحمد بن سلمان، رئيس مجلس الإدارة آنذاك، في مقر الصحيفة، وصافح العاملين فردًا فردًا، ووجّه رئيس التحرير صالح الحمادي بصرف مكافأة تعادل راتب شهر لكل محرر وعامل.
وبعدها بأيام، تأهل النصر إلى نهائي كأس ولي العهد عقب تجاوزه الهلال في مجموع مباراتي الذهاب والإياب، فوزعت الصحيفة 211 ألف نسخة، ليكرر الأمير أحمد بن سلمان زيارته ويصافحنا مجددًا، ويوجه بمكافأة مماثلة لجميع العاملين.
تلك الأرقام تبدو اليوم وكأنها تنتمي إلى زمن بعيد، لكنها تعكس حجم تأثير الصحيفة الورقية ومكانتها في حياة الناس آنذاك.
إن توقف «الرياض» عن الطباعة، ومن قبلها صحف سعودية أخرى، فضلًا عن صحف عالمية اتخذت المسار ذاته، يدخل ضمن مرحلة جديدة تعيد تشكيل صناعة الصحافة، لكنها لا تعني نهاية الصحافة نفسها.
تتوقف المطابع، وتتغير الوسائل، ويبقى المحتوى المهني هو الأساس. فالصحف التي صنعت الوعي ووثقت التاريخ لن تفقد قيمتها بتوقف الورق، وإنما سيكون التحدي الحقيقي أمامها هو نقل إرثها ومصداقيتها وتأثيرها إلى الفضاء الرقمي.
وربما نودع اليوم صوت المطابع ورائحة الورق وانتظار الصحيفة في الصباح، لكننا لا نودع الصحافة. فالورق قد يتوقف.. أما الكلمة فلا تتوقف.













