وجوه وحكايات
م. محمد الجيلي الشيخ
السودانيون في مصر… قلوبٌ تمشي في شوارع الغربة وأرواحٌ معلّقة بالوطن
حين تتكلّم شوارع مصر بلهجة السودان
فيصل… الهرم… بدر… وغيرها من أحياء مصر. أحياء مصرية، لكنك ما إن تدخلها حتى تشعر أن السودان يمر بجانبك. ضحكة سودانية قصيرة، كلمة «يا زول»، رائحة بخور تشبه بيوت أم درمان، وشاي يُسكب ببطء كأن الزمن يحترم حزنه.
السودانيون هنا لا يعيشون كغرباء، بل كأهل حملوا وطنهم في جيوبهم، وفي أصواتهم، وفي تفاصيل يومهم. لكن خلف هذا الحضور الدافئ، هناك وجع لا يراه إلا من اقترب منهم.
وجوهٌ تبتسم… وقلوبٌ تنزف بصمت
تجلس مع أي سوداني في مصر، في منزل أو مقهى أو شارع، فتبدأ الونسة، لكنها لا تبقى ونسة طويلاً. سرعان ما تتحول إلى حكاية حرب: كيف خرجوا؟ من فقدوا؟ ماذا تركوا خلفهم؟ وأي جزء من أرواحهم ما زال هناك؟
السودانيون في مصر يضحكون، لكن ضحكتهم قصيرة، خجولة، كأنها تخشى أن تُغضب الحزن. ضحكة لا تشبه الفرح، بل تشبه محاولة تنفس وسط غرق طويل. وكلامهم يحمل غصة لا تخطئها الأذن؛ غصة وطن لم يودعوه كما يجب.
بيوتٌ تنتظر أصحابها… وذكرياتٌ معلّقة على الجدران
تنقلب الونسة فجأة إلى حكاية خروج بلا وداع، وحكاية أم تحمل أطفالها ودموعها، وشباب تركوا أحلامهم معلقة على جدار لم يعد موجوداً، ووطن كان جميلاً ثم صار ساحة للدم. كل كلمة يقولونها ليست كلاماً، بل نزيف ذاكرة وخوف وفقد لا يُشفى.
في كل بيت سوداني في مصر، هناك غرفة تركوها كما هي في السودان: السرير كما هو، والستارة كما هي، والصور كما هي، كأنهم سيعودون غداً. لكن الغد تأخر، والعودة صارت حلماً يزداد ألماً كلما طال الانتظار.
السودانيون هنا يعيشون حياتين: حياة في مصر، وحياة في الذاكرة. يأكلون هنا، لكن الطعم الحقيقي هناك. يضحكون هنا، لكن الضحكة الصافية هناك. ينامون هنا، لكن أحلامهم كلها هناك.
الغربة التي جاءت بالقوة… لا بالاختيار
الغربة عادة قرار، لكن غربة السودانيين في مصر ليست قراراً. إنها هروب من موت كان يقترب، ومن وطن لم يعد آمناً بما يكفي ليحتضن أبناءه. خرجوا مجبرين، وتركوا بيوتهم وشوارعهم وذكرياتهم وأحلامهم، وها هم اليوم يعيشون في بلد يحبهم، لكنه ليس وطنهم.
مصر… الحضن الذي يخفف الألم ولا يمحوه
مصر فتحت أبوابها لهم، واحتضنتهم وآوتهم ومنحتهم أماناً كانوا يبحثون عنه. لكن مهما كان الحضن واسعاً، يبقى الحنين أقوى من كل شيء.
السودانيون هنا يعيشون، نعم، لكنهم يعيشون على أمل العودة؛ أمل يشبه صلاة طويلة، يرفعون فيها أيديهم إلى السماء كل ليلة ويقولون: «يا رب… رجّعنا».
الحنين… وطنٌ كامل يعيش داخل القلب
في كل جلسة سودانية في مصر، هناك لحظة صمت؛ لحظة يهرب فيها الكلام ويظهر الحزن كما هو. لحظة ينظر فيها أحدهم بعيداً، وتشعر فيها أن روحه خرجت من جسده وعادت إلى السودان، قبل أن يقول بصوت مكسور: «والله مشتاقين… والله مشتاقين يا وطن».
هذه الجملة وحدها تكفي لتعرف أن السودان لم يمت، بل يعيش في قلوب أبنائه حتى وهم بعيدون عنه آلاف الكيلومترات.
السودانيون… شعبٌ ينزف لكنه لا ينكسر
رغم الحرب، ورغم البعد والغصة والبيوت التي تُركت والذكريات التي نزفت، ما زال السودانيون واقفين. ما زالوا يحلمون رغم الألم، ويبتسمون رغم الوجع، وينتظرون رغم الغياب.
السودانيون في مصر ليسوا لاجئين، بل أرواح معلقة بين وطنين: وطن يسكن في القلب، ووطن يسكن فيه الجسد.
وسيأتي يوم يعودون فيه إلى السودان الذي ينتظرهم كما ينتظر الأب أبناءه عند باب البيت. يعودون ليبنوه، ويعيدوا إليه روحه، ويكتبوا على ترابه: «هنا وطن لم يمت… هنا شعب لا يُهزم»













