د. عاجب الطيب عاجب
في خضم الأزمات التي تعصف بالسودان، وبين مشاهد الانقسام والضيق الاقتصادي والاجتماعي، يبرز سؤال جوهري ينبغي أن نتوقف عنده بصدق: هل أزمتنا الحقيقية في نقص الإمكانيات أم في طريقة تفكير الإنسان وإدارته لاختلافاته؟
لقد أصبح واضحا أن المجتمع السوداني لا يعاني فقط من أزمة سياسية أو اقتصادية، بل يواجه تحديا أعمق يتمثل في تآكل بعض القيم، واضطراب السلوك الجمعي، وضعف ثقافة التسامح، وتراجع الإحساس بالمسؤولية المشتركة. وما لم تتم معالجة هذه الجوانب، فإن أي إصلاح اقتصادي أو سياسي سيظل ناقصا أو مؤقتا.
إن مفهوم التنمية البشرية في جوهره ليس مجرد دورات تدريبية أو كلمات تحفيزية تُقال في القاعات، بل هو مشروع لصناعة الإنسان ؛ الإنسان الذي يعرف ذاته، يضبط انفعالاته، يحترم الآخر، ويؤمن بأن البناء يبدأ من الداخل قبل الخارج.
فالتنمية البشرية الحقيقية تُعلّمنا أن الإنسان القوي ليس من يرفع صوته أكثر، بل من يستطيع التحكم في غضبه، وأن الشخص الناجح ليس من ينتصر على الآخرين، بل من ينتصر على ضعف نفسه وسلوكياته السلبية. كما تعلمنا أن التسامح لا يعني التنازل عن الحقوق، وإنما هو وعيٌ راقٍ يمنع الكراهية من أن تتحول إلى ثقافة مجتمعية مدمرة.
لقد عرف السودان عبر تاريخه الطويل قيما عظيمة من التعايش والتراحم والتكافل، وكان السوداني مضربا للمثل في البساطة، والكرم، وقبول الآخر. لكن الضغوط المتراكمة، والصراعات الممتدة، وخطابات الإقصاء، ساهمت في خلق حالة من الاحتقان والانقسام حتى أصبح الاختلاف أحيانا سببا للقطيعة بدلا من أن يكون مساحة للحوار.
وهنا تأتي الحاجة إلى إعادة هندسة الإنسان السوداني فكريا وسلوكيا ؛ ليس بتغيير هويته أو أصالته، وإنما بإحياء أفضل ما فيه. نحتاج إلى إنسان يؤمن بأن الوطن أكبر من الخلافات، وأن التنوع قوة لا تهديد، وأن الاحترام المتبادل أساس الاستقرار.
إن المجتمع لا يتغير بالشعارات وحدها، بل يتغير عندما تتحول القيم إلى ممارسة يومية:
حين يصبح الاحترام ثقافة، والتسامح سلوكًا، والإتقان عادة، والحوار وسيلة لحل النزاعات بدل الخصام والإقصاء.
السودان اليوم لا يحتاج فقط إلى إعادة إعمار الطرق والمؤسسات، بل يحتاج قبل ذلك إلى إعادة إعمار الإنسان؛ لأن الإنسان المكسور لا يبني وطنا قويا، والإنسان الغاضب لا يصنع سلاما دائما، والإنسان المتسامح الواعي هو حجر الأساس لأي نهضة حقيقية.
إن أعظم استثمار يمكن أن تقوم به أي أمة هو الاستثمار في الإنسان: فكرا، وقيما، وسلوكا، وأخلاقا. وإذا نجح السودان في استعادة إنسانه، فسوف يستعيد اقتصاده، وتعليمه، واستقراره، ومستقبله.
ولعل البداية الحقيقية ليست من سؤال: ماذا فعل الآخرون بنا ؟
بل من سؤال أكثر شجاعة: ماذا يمكن أن نفعل نحن بأنفسنا لنصبح أفضل ؟
فالأوطان تُبنى عندما ينتصر الإنسان على أحقاده، ويتعلم أن التسامح ليس هزيمة، بل أعلى درجات القوة والوعي.
يستحق أن نبدأ من جديد… ولكن هذه المرة من الإنسان.
أستاذ إدارة الأعمال المشارك وخبير التنمية البشرية













