نحو تشريع لحماية المجتمع في العصر الرقمي (1)

الأسرة والأطفال أمام تحديات عالم بلا حدود
قواعد قانونية توازن بين الحماية وحرية التعبير
ضوابط جديدة لمواجهة مخاطر الفضاء الإلكتروني
دعوة لتنظيم مسؤولية المنصات وحماية المستخدمين
المطلوب قانون لحماية المجتمع من مخاطر المنصات
د. أحمد علي قلم
لم يعد العالم الرقمي مجرد نافذة نطل منها على الآخرين، بل أصبح جزءاً من حياتنا اليومية، يؤثر في أفكارنا وسلوكنا، ويشارك في تشكيل ذوقنا العام، وفي صناعة نماذج القدوة لدى أطفالنا، شئنا أم أبينا.
ومع هذا التحول، لم يعد السؤال: هل نريد التكنولوجيا أم لا؟
فالتكنولوجيا أصبحت واقعاً لا يمكن تجاهله، وأداة أصبحت وسيلة للعلم والمعرفة والتنمية، وإذا أسيء استخدامها، تتحول إلى وسيلة لنشر الكراهية والتحريض والتنمر والابتزاز والاستغلال غير الملائم للأطفال.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى تشريع سوداني أصيل للفضاء الرقمي، تشريع لا يستنسخ قوانين الآخرين، ولا يعزل السودان عن العالم، وإنما يستفيد من التجارب الدولية الحديثة، ويعيد صياغتها بما يتوافق مع خصوصية المجتمع السوداني وقيمه الدينية والأخلاقية والاجتماعية والثقافية.
فالسودان له شخصيته، وتاريخه، وله منظومته القيمية، وله موروثه الثقافي والاجتماعي الذي يستحق الحماية في عصر تتسارع فيه حركة المعلومات بصورة غير مسبوقة. وزد على ذلك، التاريخ الذي تسطره قواتنا المسلحة بكل ألوان طيفها من القوات المساندة التي تقاتل من أجل كرامة الإنسان.
وعي واختيار
إن الانفتاح على العالم ليس مشكلة.
المشكلة تبدأ عندما يتحول الانفتاح إلى ذوبان في كل ما ينتجه العالم دون تمييز.
وكذلك فإن المحافظة على الهوية ليست مشكلة.
المشكلة تبدأ عندما تتحول المحافظة إلى رفض للتطور أو خوف من الحوار.
المطلوب إذن ليس الانغلاق، ولا الذوبان.
المطلوب هو الوعي والاختيار.
أن نأخذ من العصر الحديث أدواته ومعارفه، دون أن نسمح للخوارزميات والمنصات التجارية بأن تصبح هي التي تحدد بالنيابة عنا ما ينبغي أن يكون عليه مجتمعنا وأطفالنا وأسرنا.
حماية الإنسان
ينبغي أن يقوم التشريع على حماية الإنسان قبل المحتوى، وحماية المجتمع دون مصادرة حرية أفراده.
ومن أهم المجالات التي تستحق حماية خاصة:
قيم دينية
حماية المجتمع من التحريض المتعمد على الكراهية الدينية أو العنف أو الاعتداء بسبب الدين أو المعتقد، مع المحافظة على حق الإنسان في البحث والحوار والنقاش والنقد الفكري المشروع.
فحماية العقيدة لا ينبغي أن تعني منع التفكير، كما أن حرية التفكير لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة للتحريض على الكراهية أو العنف.
حماية الأسرة
الأسرة ليست مجرد علاقة اجتماعية، فهي إحدى أهم المؤسسات التي يتشكل داخلها وعي الإنسان وقيمه وشخصيته.
ولهذا ينبغي حماية الأسرة من التشهير والابتزاز وانتهاك الخصوصية والاستغلال الرقمي، وحماية أفرادها من نشر المواد الشخصية دون موافقة مشروعة.
حماية الأطفال
هذه ربما تكون الأولوية الأهم.
فالطفل لا يمتلك دائماً القدرة النفسية والمعرفية التي تمكنه من التعامل مع كل ما يراه على الإنترنت.
ومن غير المنطقي أن نترك الأطفال وحدهم في مواجهة خوارزميات هدفها الأساسي زيادة وقت المشاهدة والتفاعل.
لذلك ينبغي أن يوفر القانون حماية خاصة للأطفال من:
- المحتوى الجنسي الصريح غير الملائم لأعمارهم.
- الاستغلال والاستدراج الإلكتروني.
- التنمر والتهديد والابتزاز.
- المحتوى شديد العنف أو الخطورة.
- التلاعب الرقمي والاستغلال النفسي.
الآداب العامة
للمجتمع السوداني منظومة متجذرة من القيم المتعلقة بالحياء والآداب العامة واحترام الأسرة والخصوصية.
ومن الطبيعي أن ينعكس ذلك على التشريع.
لكن يجب أن تكون القاعدة القانونية واضحة ومحددة، لا فضفاضة.
فعبارة «المحتوى غير الأخلاقي» وحدها لا تكفي لإنشاء جريمة، لأن ما يعده شخص مسيئاً قد يراه آخر موضوعاً للنقاش أو البحث أو النقد.
لذلك ينبغي أن يحدد القانون الأفعال والمحتويات التي تستوجب المسؤولية تحديداً دقيقاً، وأن يستثني بوضوح الأعمال العلمية والطبية والتعليمية والصحفية المشروعة.
القانون الجيد لا يكتفي بحسن النية، بل يحتاج إلى تعريفات دقيقة.
الاعتداء الرقمي
لا ينبغي أن تكون حماية المجتمع من المحتوى الضار موجهة إلى فئة دون أخرى.
فالمرأة والرجل كلاهما معرضان للتشهير والابتزاز والتنمر وانتهاك الخصوصية وانتحال الشخصية ونشر الصور أو التسجيلات الخاصة دون موافقة.
ولهذا يجب أن تكون الحماية القانونية قائمة على الكرامة الإنسانية والحقوق، وليس على جنس الضحية.
حماية الموروث
السودان يمتلك موروثاً ثقافياً واجتماعياً غنياً، يمتد من اللغات واللهجات إلى الفنون والموسيقى والحكايات الشعبية والأزياء والحرف والتقاليد والموروث الشفهي والتاريخ المحلي.
وفي العصر الرقمي أصبح هذا الموروث معرضاً لنوع جديد من المخاطر: السرقة الرقمية، والاستغلال التجاري، والتشويه المتعمد، ونسب التراث إلى غير أصحابه.
حماية الموروث لا تعني تجريم الاختلاف، وهذه قاعدة يجب أن تكون واضحة.
فالمجتمع الحي لا يخاف من النقاش.
ومن حق الإنسان أن يسأل عن عادة، أو يناقش موروثاً، أو يختلف في تفسير حدث تاريخي، أو يقدم قراءة جديدة لتراثه.
لذلك يجب ألا تتحول حماية الهوية إلى وسيلة لإسكات الرأي المختلف.
السلم الاجتماعي
السودان مجتمع متعدد المكونات والثقافات والقبائل والجهات.
وهذه التعددية يمكن أن تكون مصدر قوة هائلة، لكنها تصبح خطرة عندما تتحول المنصات الرقمية إلى أدوات للتحريض القبلي أو الجهوي أو العنصري، أو لنشر خطاب الانتقام والكراهية، أو لإشعال النزاعات بين المكونات الاجتماعية.
وهنا ينبغي أن يكون القانون حازماً تجاه التحريض الذي يتحول إلى تهديد حقيقي للعنف أو السلم الاجتماعي.
فالاختلاف ليس جريمة.
التحريض على العنف هو المشكلة.
مسؤولية المنصات
ربما تكون هذه إحدى أهم النقاط التي ينبغي أن يتضمنها التشريع السوداني الحديث.
فالمسؤولية لا ينبغي أن تقع دائماً على المستخدم وحده.
فالمنصة الرقمية تمتلك الخوارزميات، وتتحكم في أنظمة التوصية، وتحدد بدرجة كبيرة ما الذي يظهر للمستخدم وما الذي يختفي.
ولهذا يمكن الاستفادة من التجربة الأوروبية والبريطانية في السلامة الرقمية ومسؤولية المنصات، التي بدأت تفرض على المنصات مسؤوليات تتعلق بتقييم المخاطر، وحماية الأطفال، وآليات الإبلاغ، والشفافية، والتعامل مع المحتوى غير القانوني.
تجارب دولية
مثال لذلك: تبنت المملكة المتحدة Online Safety Act 2023، وهو من أبرز النماذج الحديثة في تنظيم السلامة على الإنترنت.
والاتحاد الأوروبي وضع قانون الخدمات الرقمية Digital Services Act – DSA، الذي ينظم مسؤوليات المنصات الرقمية، ويضع التزامات تتعلق بالمحتوى غير القانوني، وآليات الإبلاغ والشكاوى، والشفافية، وتقييم المخاطر، وحماية القاصرين.
فالسؤال لم يعد فقط:
«من نشر هذا المحتوى؟»
بل أصبح أيضاً:
«لماذا انتشر؟ ومن الذي ضاعف وصوله؟ وهل كان من الممكن منع وصوله إلى الأطفال؟»
سلطة الخوارزميات
وهنا تظهر الحاجة إلى التعامل مع الخوارزميات باعتبارها جزءاً من البيئة القانونية الجديدة.
نواصل…













